الاثنين، 11 يونيو 2012

عندما تصبح الدعارة حقا مشروعا بأيت يدين

وأنا على موقع الفيسبوك كالعادة أتصفح رسائل الأصدقاء ،لفت انتباهي رسالة من أحد الأصدقاء يدعوني فيها إلى كتابة مقال حول الدعارة المتفشية في منطقة أيت يدين باقليم الخميسات ،ويلومني عن عدم مناقشة مثل هذه المواضيع ،قلت له أعدك بكتابة ذلك حالا وكان وعدا مفعولا، فهذه المنطقة التي كانت إلى عهد قريب شماعة يضرب بها المثل ،أصبحت الآن ملاذا لكل العاهرات اللواتي كسرن حاجز الحياء و بدأن يتظاهرن بالفاحشة أمام أعين الناس ابتغاء مرضاة زبنائهن ،بل يمكن القول أن الدعارة بهذه المنطقة بدأت تكتسب المشروعية من حين لآخر.

فبعد أن كانت الدعارة تمارس في الكواليس وبعيدا عن أنظار الناس ،أصبحت الدعارة الآن بهده المنطقة تمارس في الأحياء السكنية التي لم تكن في السابق تعرف مثل هذا ،ليس هذا فحسب بل هذه الأخيرة تمارس أمام أعين سكان الأحياء ولم يقتصر عمل هذه الشبكات التي تمتهن الدعارة على الأماكن المعروفة بل تعدى ذلك كله إلى أن أصبحت الدعارة لا يخلوا منها حي من الأحياء ،مثل هذه الأعمال اثارت حفيظة السكان مما جعلهم يتقدمون بالعديد من الشكايات إلى الدرك الملكي ،وإلى السلطة المحلية لإستنكار مثل هذه الأعمال التي تخدش حياء السكان الذين يعيشون مع أبناءهم وأزواجهم ،بالرغم من المناشدات التي أطلقها سكان الأحياء ،وبالرغم من الشكايات التي تقدم بها آهالي المنطقة لوضع حد لتلك الممارسات المشينة للأخلاق لم تعر السلطات المعنية أي من الإهتمام لهذا الأمر وبقي الأمر على ما هو عليه ،ليبقى المواطن بهذه المنطقة يعاني ويلات هذه الظاهرة التي استشرت بجسد اليدينيين ،كثير هي القصص التي تروى عن هذه المنطقة ،وكثير هي الروايات التي تحكي معاناة سكان جماعة أيت يدين مع دور الدعارة ومع الشبكات المنظمة التي تستقطب النساء والفتيات لإمتهان الدعارة دون أن يجدوا من يقف سدا منيعا أمامهم .

فالدعارة بأي حال من الأحوال لا تخلو من مجتمع كيفما كان ،ولكن أن تصبح الدعارة منظمة وبسماسرة يضعون جسد المرأة في المزاد العلني فهذا ما لا يقبله المغاربة ،أن تكتسب الدعارة مشروعية فهذا ما لم نعتده في المجتمع المغربي ،نقول أنها اكتسبت المشروعية لأن من عهدنا إليه محاربتها هو من يقبل بها الآن ويبارك لها ،لتكون بذلك قد بدأت تأخذ مركزها داخل المجتمع المغربي .

فالدعارة ظاهرة تأرق الكثيرين في المغرب ،خاصة بعد أن أصبحت هذه الأخيرة تحركها شبكات منظمة تتاجر بأجساد النساء والفتيات ،كثير هي القصص التي نسمع عنها في الإعلام المرئي ،والسمعي والمكتوب،ما إن جلست أمام قناة أو تصفحت جريدة فإنها لا تخلو من أخبار عن الدعارة وعن مافياتها التي أصبحت تعمل في الأضواء دون أي رقابة من طرف السلطات ،بالرغم من أن هناك قوانين تجرمها.

فالمجتمع المغربي كغيره من المجتمعات العربية التي تكثر فيه الدعارة ،يعرف اليوم أزمة أخلاقية قبل الأزمة المالية ،فالدعارة لم تعد بالأساليب التقليدية التي كانت عليها في السابق ،بل أدخلت عليها تقنيات جديدة أستعملت فيها وسائل الإتصال والتكنولوجية الحديثة ،حيث أصبح للدعارة معايير ومواصفات وتنظيم محكم،فالفتيات من كل الفئات العمرية،والزبناء يصنفون حسب المستوى الإجتماعي والمهني ،والعمل بمبدأ من يدفع أكثر يستطيع التمتع أكثر،إن عدم تطبيق العقوبات في حق الذين يمتهنون هذه المهنة،وفي حق الشبكات والمافيات التي تستعمل الفتيات في مقتبل العمر والزج بهم في سجن المؤبد،هو نوع من اللعب بالنار والمخاطرة بالقانون وضرب لمصداقية الدولة المغربية ككل.

لا شك أن الدعارة في المغرب تعتبر من القطاعات المدرة للدخل على العديد من الأسر المغربية إلا أننا لا نعرف حجم الكلفة الأخلاقية التي تجنيها هذه الأسر ،والتي يجنيها المجتمع المغربي قاطبة سواء عربيا أو أوروبيا ،وأعتقد أننا دائما في مرتبة مشرفة فيما يخص مثل هذا الأمر،هناك أسئلة تطرح ولا بد لها أن تطرح كيف يمكن لنا نحن المغاربة أن نطمح للسير إلى الأمام في الوقت الذي انسلخنا فيه عن أخلاقنا وعن تقاليدنا ؟كيف يمكن نعطي صورة مشرفة على المغرب و كل منا يعرف كيف ينظر الشرق والغرب إلينا؟

فالإشكالية في المغرب هي إشكالية قانون ،فتطبيق القانون الذي يجرم الدعارة يعرف اختلالات عدة قد تكون السبب الرئيس في تفشي هذا المرض الذي يستعصي علاجه ،فالقانون غالبا ما يكون سيفا مسلطا على النساء الأدنى مستوى اللواتي يمتهن الدعارة بدون وسائل حديثة تمكنهم من الإفلات من العقاب ،أما الفتيات و النساء من الطبقات الإجتماعية الأوفر حظا لهن من الوسائل ما يجعلهن يمتهن الدعارة دون أدنى خوف من السقوط في يد العدالة ،فهؤلاء النساء لا يعملن بمفردهن ولكن يعملن داخل شبكات منظمة يصعب الإيقاع بهن ،وهذا ما يأرق الكثيرات ممن يمتهن الدعارة،وتسقط الدولة في ما يسمى بالحيف الإجتماعي.

لا بد للدولة المغربية أن تعيد النظر في تشريعاتها وفي قوانينها وفي سياساتها في محاربة الدعارة ،وذلك بوضع عقوبات زجرية تجاه تلك الشبكات المنظمة التي تمتهن الدعارة التي تتاجرفي سلعة المرأة بأثمان بخسة ،ثم العمل على وضع خطة تسعى من خلالها محاربة كل أشكال الفساد ،أما إن بقيت الدولة تتساهل مع من يمتهن الدعارة فإننا سنكون أمام آفة تنذر بحرب ضروس على أخلاقنا.

الصورة : أحد دور الدعارة بالمغرب

رشيد أخريبيش


الخميس، 7 يونيو 2012

دوار أيــت الـبقــال بالخــميســات – دوار الـمنـسيـيــن

بالصدفة و أنا أشاهد الفيلم الوثائقي " الشاي و الكهرباء " الذي تم عرضه على القناة المغربية الثانية , أثار انتباهي الحالة التهميشية التي تعرفها بعض القرى المغربية,و أقول البعض لأن هناك قرى لا تعرف ما معنى التهميش. فأستدعى إنتباهي دوار أيت البقال بجماعة و قيادة الغندور بإقليم الخميسات. و الذي لطالما أسميه دوار المنسيين صحيح أن ساكنة الدوار تتوفر على الماء و الكهرباء عكس ما جاء في الفيلم الوثائقي للقناة, غير أنه يبقى العنوان البارز و بالخط العريض لدوار أيت البقال هو " الشاي و الحَّكرة " في ظل غياب أي إستراتيجية أو خطة عمل واضحة للخروج بدوار أيت البقال من حالة التهميش الإجتماعي و الإقصاء الذي تعانيه ساكنته. فساكنة أيت البقال تعاني وضع مادي جد مزري في غياب تام لأي مبادرة تنموية أو جمعوية حقيقية قادرة على تأطير الساكنة و جعلها منسجمة داخل نسيج تنموي و إجتماعي. هذا بالإضافة لغياب خطة طريق واضحة المعالم لتبرر على الأقل أن هناك إرادة فعلية من طرف السلطات المعنية و من طرف ممثلي الساكنة تثبت حسن نيتها من أجل الرقي بمستوى الساكنة, هذا دون الوقوف على أبرز البنيات التحتية للدوار و ذلك لسبب جد بسيط و هو الغياب التام لهاته البنايات من طرق معبدة و قناطر. تخفف من معاناة الحياة اليومية للساكنة ولو بشكل رمزي. و بإعتباري واحد من أبناء دوار أيت البقال – الخميسات. أناشد جمعيات المجتمع المدني و السلطات المعنية. للتوحد و التكتل من أجل مساعدة الساكنة على الأقل للخروج من وضع الإقصاء التي طالها, و إعادة الإعتبار لها. فلا يجوز أن تكون قسوة الظروف الإقتصادية و الحكرة قاسمين مشتركين ضد دوار المنسيين.


عبد الله من أبناء الدوار




الخميس، 31 ماي 2012

تحت سبات المسؤولين التصحر يزحف على المدن المغربية

كلنا نسمع عن ظاهرة التصحر بالمجال القروي أو ما يعرف بزحف الرمال على المناطق الزراعية، لكن الذي لم نسمع عنه بعد هو التصحر بالمجال الحضري الذي هو زحف الباعة أو ما يسمى بالفراشة على الأرصفة والشوارع معا..  إذ كلما استيقظ المواطن أو الساكن المغربي من نومه في كل صباح إلا ويفاجأ بتناسل العربات والأكشاك الحديثة وهي تكتسح الشوارع والأزقة، للاستيلاء على الأملاك العمومية بشكل رسمي. وبين عدم اهتمام الدولة بمعالجة هذه الحالة وتراخي السلطات المحلية أصبح هؤلاء الباعة مستقرين ولم يعودوا متجولين كما يقال عنهـم.

 هذه الفوضى التي أصبح حلها مستعصيا على الحكومة المغربية أو بمعنى أصح فشلها في ضبط وتسيير المهام الموكول إليها ومن ضمنها إخلاء الشوارع والحفاظ على جمالية المدن من هذه العشوائيات التي تتفاقم يوما بعد يوم. لنجد العاصمة الاقتصادية تحتل الصدارة بين المدن المغربية، وذلك من حيث الرتب الفوضوية التي يتصدرها احتلال الأرصفة والشوارع بربوع المملكة. وهذا أحد النماذج من حي سيدي مومن بالدار البيضاء الذي هو مثال لباقي شوارع المدن المغربية التي تعاني من نفس الحالـة.

هذا وبالرغم من رفع عدة شكاوى لكل الجهات التي لها صلاحية التدخل وأولهم عامل المنطقة، من طرف السكان الأكثر تضرراً من هذه الفوضى، بما فيهم تجار السوق البلدي بأكمله، من أجل رفع الضرر الذي أحل بهم بعدما سئموا من وعود رئيسهم الكاذبة الذي كلما قصدوه لحل مشاكلهم وإذا به يزيد من تفاقمها مع كل موسم انتخابي حل، بمزيد من العشوائيات.. ثم نشرت شكاوى حول هذه الحالة بمختلف الصحف المكتوبة، إلا أن ذلك لم يجد نفعا أو يحرك ساكن المعنيين بشؤون هذا الحي الذي طالما تغنى المعنيون كثيرا بمعالجة مشاكله التي مازالت عالقة ومن ضمنها هذه الفوضـى.

لذلك نتساءل هل الجهات الوصية لا تتصفح الجرائد لمعالجة هذه المعضلة أم أنها تعتبر الصحف عبارة عن مناديل لتجفيف دموع الذين يلجئون إليها ليس إلا.!؟ وأرى أنه من أكبر أخطاء الجهات الوصية أن تنصب مسؤولا ما على منطقة ما ثم تنساه دون رقابته وكأنه امتلك تلك المنطقة فيتصرف فيها كمالِك لها وليس كمسؤول عن حل مشاكلها.. كما لم يقتصر الأمر عن الفراشة المحتاجين والعاطلين فحسب، بل أصبحت الحالة تأخذ شكلها الاحترافي والمهني الموسع. لنجد معظم أسر المهاجرين يركنون سياراتهم وسط الشوارع لعرض الخردوات التي يجلبونها لهم أهاليهم من مزابل أوروبا، حيث يفضلون هذا الوضع المجاني تهرباً من تابعات مصاريف الدكاكين وواجباتها الضريبيـة.

 هذا بالإضافة إلى الطبقة العاملة التي أصبحت هي الأخرى تزاول التجارة في الشوارع بعد انتهائها من عملها في المساء نتيجة الحرية الفوضوية التي تعرفها شوارع المملكة.. والغريب في الأمر هو أنه حينما حل قائد جديد بالمنطقة لاحظنا بعض التحركات فتم إخلاء الشوارع جزئيا من هذه الفوضى وفرح السكان، إلا أنه للأسف لم تلبث فرحتهم أكثر من 24 ساعة ثم بدأت الشوارع تستعيد شكلها الطبيعي، ولم تكن تلك الهجمات الترويعية سوى مجرد بهارات لفتح الشهية. وبعد ذلك تم الصلح والمصالحة بين الفراشة والدوريات المحلية فعادت الفوضى من جديد إلى الأحسـن.. 

أما دوريات القوات المساعدة "المخازنية" التي تزودت بها المنطقة مؤخرا، أصبحت تتقاعس ولم تعد تجوب الشوارع لضبط وتخفيف على الأقل من هذه الفوضى كما في السابق وهذا ما يشير إلى أن فريقها يقتسم حصة البنزين فيما بينهم فيقومون بركنها في زاوية ما طوال النهار.. أما يومي السبت والأحد فافعل ما تشاء ولا حرج حيث الحرية المطلقة لأن المصالح الأمنية وبعض الدوريات تكون في إجازتها الأسبوعية مما يفسح المجال أمام اللصوص لتشتغل بحريتها المطلقة. وللأسف الشديد فالمغرب الوحيد أو البلد الوحيد في العالم الذي تغادر مصالحه الأمنية أوكارها طيلة 48 ساعة فيتعرض المواطن خلالها إلى مشاكل واعتداأت عدة نتيجة فقدان الأمن خلال هذه الفتـرة. 

والسؤال المطروح هو أين وصل مشروع المطويات الذي قيل عنه أنه سيعمم على جميع ولايات الدار البيضاء بعد تجربته بولاية آنفا للحد من الاحتلال الذي تعانيه شوارع وأزقة العاصمة الاقتصادية فهل ذلك كان مجرد كذب على الأذقان أم هو تخطيط فاشل وتنفيذ أفشل لحكومة فاشلــة!؟ 

وكما نرى فالصورة تبرهن عن الحالة المزرية التي يعيشها محيط السوق البلدي بحي سيدي مومن والذي هو عبارة عن نموذج لباقي الشوارع والأزقة التي تئن هي الأخرى أكثر من نفس الحالة تحت وطأة التعاطف وسكوت السلطات المحلية على هذه التجاوزات المضرة بالسكان وتتسبب في إغلاق الأزقة فيصعب على قاطني هذه الشوارع المحتلة، الوصول إلى منازلهم أو الخروج منها مما يجبرهم على ترك سياراتهم بعيدة عن منازلهـم.. السؤال المطروح هو: أين هؤلاء الذين يدعون أنهم يخدمون البلد بمحاربة كل ما هو عشوائي، ويهدمون المنازل فوق رؤوس المواطنين. أليست هذه الفوضى الواضحة من ضمن العشوائيات العظمى لتكون في المقدمة.؟؟ 

 أما إذا أصيب أحد السكان بمرض ما فيضطر أهاليه لرفعه على النعش وسط هذه الفوضى للوصول إلى سيارة الإسعاف التي لا تستطيع الوصول إلى المريض بسبب هذه الفوضى.. بل وأكثر من هذا أن أرباب بعض المقاهي والمتاجر قد استغلوا الفوضى القائمة فأخذوا يكترون بقعا وسط الشوارع للقادمين من مناطق أخرى، ثم تقام عليها براريك وأكشاك تجارية ومثبتة بشكل رسمـي. 

وبهذا فإن سكان حي سيدي مومن وتجار السوق البلدي المتضررين من هذه الحالة المزرية التي أخذت تتفاقم كل يوم، يوجهون نداءهم عبر هذا المنبر للجهات الوصية قصد التدخل العاجل للحد من هذه الفوضى التي تلحق بهم أضرارا عدة وخصوصا أصحاب الدكاكين. لأنه من غير المنطقي أن يدفعوا الواجبات الضريبية ومصاريف الدكاكين والآخرون يتاجرون أمام محلاتهم بالمجان الشيء الذي يؤثر سلباً على تجارتهـم. 

هذا ويؤكدون على أنهم في حالة عدم استجابة المعنيين لمطالبهم بإيجاد الحل لهذه الفوضى، فسيضطرون لإغلاق متاجرهم ويتاجرون هم الآخرون في الشوارع كغيرهـم وقد أعـذر من أنــذر.

الحسين ساشا - ساشانت

الأربعاء، 30 ماي 2012

كركاش أنزل الخميسات وأتبعها المسيرة لقسم الظلمات


غريبة وعجيبة هي كرة القدم فبالأمس القريب كان السيد عبد العزيز كركاش سندباب الشرق يواسي الحارس الزموري الحسين أمسا بعد إنهزام الإتحاد بمركب الشيخ الأغضف بالعيون ونزوله للقسم الثاني بعد عام واحد لا غير ليتقمص الفريق الزموري دور ( لاسانسور طالع هابط ).

ولعل كل من تابع اللقاء الأخير للمسيرة بمركب فاس ضد الواف كان يرجح كفة ممثل الأقاليم الجنوبية على حساب المضيف الفاسي ولا أحد كان يتمنى أن يكون مكان كركاش فهذا المدرب الوطني ابن وجدة الشرق دخل كتاب غينيس للأرقام القياسية من أوسع أبوابه بعدما أسقط 3 فرق أو أكثر للقسم الثاني إن لم تخني الذاكرة فهذا المدرب ( ديال سلك وعدي ) أستاذ للتربية البدنية حاصل على مدرب من الدرجة الثالثة من مدرسة هيزل ببلجيكا ، لاعب سابق بالمولودية الوجدية والنهضة البركانية والنادي القنيطري والاتحاد الإسلامي الوجدي ومدرب سابق لكل من نهضة سطات(2001) والمولودية الوجدية (2002) وشباب المسيرة (2003) وفريق السويك بعمان(03/04) وفريق هلال الناظور خلال موسم 04/05.

ولمحاسن الصدف أو لمساوئها فقبل أسبوع من الأن كان هذا المدرب يودع أصدقاء أمسا ويتمنى لهم الصعود المبكر من القسم الثاني بعد لقاء هتشكوكي أسال الكثير من المداد وسيلا من الكلام عبر الصفحات الفايسبوكية والجرائد الإلكترونية .

( ويلا جيتوا للصراحة ) فالفريق الزموري لا يستحق أن يكون ضمن فرق قسم الصفوة ومكانه الأنسب الأقسام الشرفية ولتسامحني الجماهير الزمورية لكن هذا هو الواقع فلا لاعبين جيدين ولا مسيرين متمرسين ولا محتضنين في المستوى وحتى الجمهور ليس بذاك الجمهور ( اللي كيحمر لوجه ) .

والآن وبعد سقوط فريق (الإمتيازات ) للقسم الوطني الثاني وجب على كل من انتقد الجامعة ومصداقيتها الإعتذار لأن زمن التلاعب ولى دونما عودة ، " واليوسوفو وأمسا " وحدهما يعرفان كيف رسمت خارطة الطريق للقسم المظلم ( الفاهم يفهم ) . 

و صحيح أن المسيرة فريق له تاريخ عريق لكنه كذلك يحضى بدعم خفي من أناس مستترين نظرا لتمثيله لمنطقة حساسة جغرافيا ، وها هو يسقط وتسقط معه كل التهم وربما تسقط معه تلك الإمتيازات التي وفرت له في الأمس البعيد والقريب . دون ان يقدم الإضافة ويكون فريقا شبح تصرف عليه الأموال دون أي آستفادة فلا جمالية في اللعب ولا جمهور يملؤ المدرجات ( فلوس اللبان داتهوم المسيرة ) . 

وكما لا يخفى على الجميع فأقاليمنا الجنوبية تحضى بتعامل تفضيلي في كل المجالات وليس كرة القدم فقط . ولنا في الطلبة الصحراوين خير دليل . 

الصحراء مغربية أراد من أراد وكره من كره ولن نفرط في حبة رمل واحدة من صحرئنا ( واخا نتشاموا فيها التقاشر ) لكن أن يتم تمتيع فرق الجنوب بكل تلك الإمتيازات على حساب فرق مهمشة في مناطق آخرى من وطننا الحبيب ، تقدم منتوج كروي ممتع  هذا ما لن نقبله بالمرة . 

وعليه وجب التعامل بشكل عادل وعادي بين جميع الفرق الوطنية كيفما كانت المنطقة التي تمثلها لأننا وبكل بساطة مغاربة . أما الذين يريدون آستغلال الوضع في الصحراء فنقول له الوطن مليئ بالشباب الوطني ونحن مستعدون لتعمير تلك الأراضي ( بليكي )  وجعل الصحراء جنة خضراء ( وغير خويو علينا وسيروا للبوليزبال ) .

.. الحاصول .. لا الآتحاد الزموري تستحق القسم الأول ولا المسيرة وقد فعلت الجامعة صوابا حينما رفضت منح ىظخ  رخصة فريق محترف.

دمتم بألف خير ودامت بلادنا حرة ودامت لنا صحرائنا مغربية .       

 يوسف المتمرد 

الخميس، 17 ماي 2012

موجة الشركي تجتاح البلاد ... وفي الخميسات لا ملاذ

تجتاح هذه الأيام موجة حر بلادنا، ومثل جميع أقاليم المملكة تعاني مدينة الخميسات من فرط الحرارة التي تجاوزت في الأيام الأخيرة سقف الـ 40 درجة دون أن تؤثر على السير اليومي للحياة العامية التي اعتادت على التأقلم السريع مع جميع الظروف الطبيعية واللاطبيعية.

هكذا عشنا في هذه البقعة من الأرض، طالنا النسيان ولازال الإهمال سرا من أسرارنا التي تحتفظ بها ذكريات الكبير قبل الصغير، نحن من اعتدنا على حزم حقائبنا لنرحل حيث هناك الحياة.. أو حيث نظن أنها هناك.. لازالت ذاكرتنا تحتفظ ببقايا مسابح تفتح لتكون نقمة لا نعمة، حيث تختلط فيها النوايا والأجساد في بحث عن استجمام وترويح عن النفس أو لغاية في نفس أيوب.

اليوم في مدينتي حيث لا اثار للتمدن فيها، ليس لنا حق في أن تكون لنا مرافق حيوية، ونكتفي بالعيش على ذكريات زمن ولّى، فإلى متى سنكتفي بالانتظار والإحتضار؟.. هنا بقايا من الخميسات، ومن ذكريات البلاد حيث اللاملاذ.

 الخميسات سيتي

الأحد، 13 ماي 2012

ظاهرة انحراف الشباب ومسؤولية المجتمع

أصبحنا نسمع ونتتبع أخبار مسيئة للقيم والأخلاق التي جبل عليها المغاربة ، ولم نكن متعودين عليها داخل الأسرة وفي الحي والسوق والمدرسة وحتى داخل النوادي ، هذه الظواهر الخبيثة كثيرا ما نجد الشباب هو مصدرها ومبعثها والمشارك فيها ، إذ ان مقاربة إحصائية لكثير من الأحداث والجرائم والاعتداءات وغيرها من الحالات التي يعاقب عليها القانون ويعتبرها تستحق عقابا قضائيا ، هذه المقاربة تقود أسبابها إلى نسبة كبيرة وعالية من شبابنا هم من ساهموا في وقوعها وحدوتها ، ولهم اليد الطول بشكل من الأشكال أو بدافع من الدوافع الاجتماعية أو الأخلاقية ، حيث أن العديد من العوامل الاجتماعية تتداخل فيما بينها لتدفع بهذا الشباب ليكون ضحية سلبياتها ، وبالتالي يفقد هذا الشباب توازنه ، ويتخلى عن سلوكه ، ليسقط في أحضان الرذيلة والجريمة والانحلال الخلقي دون أن يستشعر خطورة مصيره الذي كثيرا ما يقوده إلى الهوية .

فحين تغيب القيم وتفقد الأسرة والمدرسة السيطرة على الشباب وخصوصا المراهقين ، فهذا الأخير يخرج الى الشارع ليصطدم بعالم الانحراف والجريمة فيقع بسهولة في برا تينها ، وبالتالي يكون أداة سهلة للاستغلال والاستخدام من طرف العصابات التي تتحين فرصة سهلة لتوظيفه في أمور خطيرة لا يقدر هو مدى حجم خطورتها وعواقبها المستقبلية ، وفي هذه الحالة يظن هذا الشباب انه نهج أسلوب التمرد والعصيان على تهميش المجتمع له ، ويعتبر ما يقوم به انتقاما من الأوضاع ومن المجتمع وحتى في بعض الأحيان من محيطه الأسري ، فيتوجه إلى الإدمان على المخدرات بشتى أنواعها في محاولة منه نسيان واقعه العائلي أو الاجتماعي ، وهروبا من بعض القيود الأسرية ، مما يقوده الى الغطس في عالم الجريمة والانحراف بجميع أشكاله وخوضه مغامرة الاستقلال عن الأسرة بفرض نمط حياته وأسلوب عيشه ، مما يدفع به الى السرقة وارتكاب أنواع الجرائم للحصول على المادة لتلبية مطالبه ، دون التفكير في تبعات ذلك ، او حتى نظرة المجتمع إليه من زاوية خروجه عن المنظومة الأخلاقية والقانونية .

إن الأوضاع الشبابية أصبحت تدعو الى تكثيف الجهود بين جميع مكونات المجتمع ، أسرة ومدرسة ونادي وجمعيات المجتمع المدني ، والمؤسسات التي عليها ان تتحمل تبعات هذا التهور الذي يعرفه شبابنا ، خاصة أن ظواهر جديدة بدأت إرهاصاتها تظهر وتغزوا بذلك الشباب،وأصبحنا نسمع عن الاعتداء على المحارم والأصول وتعنيف الأستاذ وإحداث الشغب في الملاعب والمهرجانات والوقفات الاحتجاجية ، ومنها إتلاف ممتلكات الدولة والمؤسسات العمومية وغيرها ...ولذلك فالأمر لا يجب السكوت عنه وترك الهوة تتسع وتزداد بين هموم الشباب ومطالبهم ، بل لا بد ان نستمع إليهم ونفتح معهم صفحات الحوار والانصاط والإصغاء ونقترب منهم أكثر ، كما على الدولة أن تعيد للمدرسة هيبتها واحترامها.

الحسن البوعشراوي

الجمعة، 11 ماي 2012

شخصية "بوزبال" في عز البرمجة الرمضانية المغربية

يقال إنه شخصية سنة 2012 بدون منازع إلى جانب" لوبغاسون " وبنكيران، لكنه غير محزب وليس شخصية عمومية، ولم يسبق أن حاز لقبا في الرياضة أو الفن، هو مغربي بكل ما تحمل الكلمة من معنى له شخصيته الخاصة التي استقطبت العديد من العشاق عبر الفايسبوك والمنتديات.

إنه شخصية بوزبال "الكارتونية" أو " الترول فايس"(1)، تلك الشخصية العنيدة، التي لاتفقه في الأمر شيء وتحمل من البلادة كل ما هو هزلي، تتخذ من الشارع فضاء للتعبير، ببساطتها وأقوالها و ردات فعلها ترسم البسمة على وجوه الآلاف من المغاربة على الفايسبوك في وقت تعيش فيه السيتكومات في الحضيض. فرغم أنه شخصية كارتونية إلا أنه يتحدث مع المتلقي بكلماته و قسمات وجهه. التي تبدع فيها أنامل رسامي صورها ومنتجي فيدوهاتها. فسيناريوهات الشخصية غالبا ما تكون مستوحاة من عمق يوميات الشباب المغربي لكن ببصمة "بوزبالية" خاصة إن صح التعبير.

فصفحات شخصية "بوزبال" على الفايسبوك أصبحت الأعلى تفاعلا وتعليقا من بين الصفحات المغربية، مما يصاحبها من "تقشاب" وإبداع ينتقد بسخرية الشباب المغربي ووضعه في المجتمع و انتظاراته من الساسة ... فالشهرة التي لقيتها هذه الشخصية ما هي إلا انعكاس لحقيقة أوضاعهم اليومية على العالم الافتراضي، لعل أصحاب القرار يفكون شفرتها يوما ما، فالأدهى من ذلك، أصبحت لـ "بوزبال" عائلة افتراضية كبيرة أي صفحات أخرى كـ " أخت بوزبال" و "نسيب بوزبال" ...، حتى يتسنى لكل الأعمار والفئات متابعة جديده المضحك، الذي وصل صيته إلى الإعلام المغربي الذي خصص عنه ربورتاجات، لربما يفهموا ذوق المغاربة في الضحك والسخرية ويغيروا برمجتهم الرمضانية، التي يصفها المغاربة بـ "الحموضية" نسبتا لرداءتها وميوعتها بالركوب على موجة الضحك والإضحاك.

يستخلص من نجاح شخصية "بوزبال" و "لوبغاسون" إلى غيره من الشخصيات على الفايسبوك، أن المغاربة تضحكهم البساطة، و السخرية من مجتمعهم، وأوضاعهم وساستهم ...، في قالب هزلي لايكلف دار البريهي وعين السبع الملايير من الدراهم التي تستخلص من جيوبهم، والتي لاترسم حتى الابتسامة على مائدة الإفطار في رمضان، في حين أن صور وإنتاج فيديوهات عن "بوزبال" لا تكلف ميزانيات خيالية ولا أشهرا من الإنتاج، وتلقى تجاوبا منقطع النظير حيث تصل التعليقات وعدد المعجبين إلى مئات ألآلاف يوميا، لأنه منتوج فني افتراضي يتأسس على جذور ثقافية يجد له متلقيا و جمهورا يتفاعل معه تفاعلا وجدانيا. لكونه لم يستغنى عن قيمة الهوية المغربية التي بدونها يفقد الإبداع أحد أهم العناصر الضرورية للتأثير حتى وإن تحققت فيه كل الشروط الفنية والتقنية.

كل موسم رمضاني، نعيد نفس الكلام حول ما يقدمه التلفزيون المغربي خلال شهر رمضان، خاصة ما تعلق منه بجانب التسلية والفكاهة. وكل موسم رمضاني، نقف عند نفس الكارثة مندهشين أمام تطور هذه الفكاهة من السيئ إلى الأسوأ. ويبدو أن دار لقمان ستبقى على حالها، مادام المسؤولون والقائمون على اختيار هذه البرامج يصرون على إفساد الذوق العام. في حين شخصية "بوزبال" تستمر في إضحاك العباد بلا كلل ولا ملل.
إبراهيم وعيسى – مدون

مراجع : 







الأربعاء، 2 ماي 2012

سؤال بالأمازيغية وجواب بالعربية: أين الأدوات؟

إذا كانت الغالبية الأعم من المغاربة، مستسمحا، لاتعرف مايجري ويدور من خبايا الأمور في قبتنا المحترمة صاحبة الكرامات لأزبد من ثلاثمئة نائب “بركاتك”. وإذا كان جل المغاربة، إن لم نقل كلهم، حتى لاأكون منافقا، لايعيرون للبرلمان وجلساته الماراطونية، أدنى إهتمام ولا لتفلزتهم البكر المصون “دار البريهي”و”عين الشق”حتى بالسلام، فمبالك بالمشاهدة وعلى الدوام.

والإستثناء في هذا وذاك وارد، سنة الحياة، فلكل قاعدة إستثناء، النزر القليل أو القلة المسيسة صاحبة المصلحة(…) هم ممن يتابعون.. لغرض في نفس يعقوب أو ممن لهم مصلحة السبق، مثلا هفوة فلان في البرلمان أو فلانة في عرض الهندام(…) أو نوم فلان أو ماشابه ذلك من أشكال الإسترخاء والإستجمام. فلهم في ذلك خمسة أعوام بالتمام والكمال.

لم نخطئ العنوان، برلماننا شهد حالة من الفلتان التنظيمي التقني وله في ذلك حالات وحالات من فلتان اللسان وقهقهات… صارت حديث الركبان (…) وشد وجذب بين أصحاب الحصانة وأصحاب “إنه” ” إننا” و “حيث”………المبجلين العظام.

نائبة محترمة من أعالي الجبال (…) صاحت، أشعلت الفتيل وأيقظت النيام (…) ومن كان في دار غفلون مضربا عن الطعام ينتظر موعد الأذان(…)،جهرت بها علنية وفي خلسة من أهل المكان(…) هل دبر بليل أم لا ؟ فلنسأل أبو العريف “عش الحمام” للتوضيح والتبيان.

نعم،جهرت بها،تلك المرأة الأمازيغية المدافعة عن ثقافتها هويتها ولغتها.جهرت بلغة” مازيغ” لا أدري تامازيغت نطقت…،أم تاريفت تكلمت…،أم تاشلحيت شدت…

حدث الحدث وقام له الجميع منوها مصفقا ومهللا، أظنهم في غضاضة وحنق، لكن لنا الظهائر، والله يتولى السرائر.

جهرت، دوت، وزلزلت القبة، جهرت بالأمازيغية لغة الرجال والأبطال لغة الأشاوس حمو وعسو وعبد الكريم، رجالات الأمس القريب وليسوا رجال لاكريمات.

المهم أن الخليط الفسيفسائي لأهل المغرب، من برلمانه، يهان أم في ذلك تقصير و نسيان، ذلك ماحصل بالأمس القريب سؤال بالأمازيغية من نائبة وجواب بالعربية من وزير، لنطرح سؤال أين الأدوات اللوجستيكية لتفادي مثل هذه الحالات؟ فمن فهم النائبة لم يفهم الوزير؟ ومن إستوعب كلام الوزير أكيد لم يستتوعب كلام النائبة، وكل عام ومغرب للجميع و فوق الجميع بألف خير.

يوسف سباعي




بانوراما دينامية حركة 20 فبراير بعد عام من الحراك - الجزء الثالث

مأزق كثيرين و آمال متعددة – (الجزء 3-الأخير)
العدالة و التنمية .. عمل سياسي على إيقاع المغامرة !

منذ اليوم الأول، أخذ حزب العدالة و التنمية مسافة حذر بينه و بين الحركة، متحملا مسؤوليته التاريخية في اصطفافه مع المحافظين السياسيين. وبلا شك، عبر الحزب عن موقفه ذاك بشكل أكثر وضوحا و صراحة و شجاعة من هؤلاء جميعا. و في الأخير، كان هو أكبر المستفيدين من الحراك الفبرايري، ليس من منظور أن الحركة سجلت أهدافا لمصلحته – فالحركة لم تكن غبية لتفعل ذلك- و لكن لأن خيارات المناورة تقلصت أمام النظام فعزفت العدالة و التنمية على الوتر الحساس: إما و إما. هي السياسة، و بذكاء مارسوها.

أغلب المتتبعين كانوا يعلمون أن حزب العدالة و التنمية سيحصد نسبة كبيرة من الأصوات بالنظر إلى تطوره التدريجي، انطلاقا من انتخابات 1997 التشريعية، من جهة و توجه الرأي العام إلى تبني خيار التصويت العقابي ضد أحزاب الكتلة - وخاصة الإتحاد الإشتراكي (إذ يبدو أن حزب الاستقلال يفلت منها دائما: إنه طائر فينيق سياسي!)- بعد أزيد من 10 سنوات من قيادتهم العمل الحكومي من جهة ثانية، و بسبب نجاحه في تدبير العديد من الجماعات المحلية التي ترأسها و قادها (القنيطرة، تمارة، ...). لكن الذي لم يكن معلوما هو تقلده قيادة الحكومة من موقع قوة – عبر الانتخابات، و ليس التوافق مع القصر، و بهامش كبير من القوة السياسية يوفرها الدستور الجديد و السياق السياسي أيضا. فما كانت دينامية حركة 20 فبراير- و التي قاس الحزب المذكور بشكل جيد- لتسمح للنظام بتكرار تكتيكات المخزن البالية و المتطلعة دائما إلى التحكم في الخريطة السياسية و موارد المشروعية. هنا، دقت الساعة على غير موعدها بالنسبة للقصر، فاختار الخضوع، بدل المقاومة السلبية، لتغيير بات ضروريا و لا يقبل التأجيل.

لقد سمحت دينامية الحركة من أن يتقدم العدالة و التنمية في جو من الثقة في الذات و في الموازين السياسية الجديدة. و لذا كان يتمنى أن تحافظ الحركة على قوتها النسبية دون زيادة، فتتحول إلى ثورة، أو نقصانٍ من شأنه خلخلة الموازين لصالح القصر.

لكن هذا الجو المريح يبدو أنه لم يدم لفترة طويلة ...

مع الوقت، انطلقت الرياح في اتجاه لا يشتهيه شراع العدالة و التنمية: ضعفت الحركة جماهيريا و خفت وهجها الاحتجاجي. وهكذا، سرعان ما استأنفت حليمة (المخزن) جهودها من أجل العودة إلى عادتها القديمة: أ ُحدثت حكومة ظل داخل القصر، أعيد تقريب الهمة من الملك، ازداد عنف الدولة في الشارع و حوكم شباب باسم المس بالمقدسات (الملك) و غيرها من مظاهر محاولة تغول الدولة، مجددا، على المجتمع. و كأن لسان حالها: انتهى شهر العسل!.

و هكذا تحول ما كان أوراق قوة سياسية لمصلحة حزب العدالة و التنمية قبل الانتخابات إلى ملفات اجتماعية ثقيلة بعد توليه قيادة الحكومة (أكثر من ذلك، هي ملفات متفجرة في شكل انتفاضات في أكثر من مدينة: تازة، الحسيمة، مراكش، تازة، ...).

و على الرغم من انه الآن مزهو بقيادة الحكومة، إلا أنه أكثر من يستشعر اليوم موقفه الذي لا يحسد عليه أمام ناخبيه – والمواطنين عموما - في ظل تقلص هامش مناوراته السياسية (أصبح الحزب اليوم في مواجهة الجميع: القصر، الساكنة الفقيرة و المهمشة و المعارضة - بما فيها العدل و الإحسان و المكونات السياسية الناقمة عليه داخل حركة 20 فبراير، و ربما قريبا سيكون في مواجهة بعض "حلفائه" ضمن الأغلبية) و صعوبة ظروف قيادته للإدارة العمومية ( موسم فلاحي ، أزمة مالية دولية، انتفاضات، إضرابات الموظفين، واحتجاجات المعطلين).

هل أخطأ الحزب عندما تخلف عن سفينة حركة 20 فبراير إذا؟. بفعل كاريزما رئيسه – الغريبة حتما - و نتيجة لتردد قياداته – مع استثناءات قليلة - استقر الحزب على فكرة وضع كل بيضه في سلة واحد: صندوق الاقتراع. كان خياره ذاك موقفا يحتفي بالديموقراطية – كآلية تداول سلمي للسلطة - لكن مؤكدا أنه كان موقفا خارج السياق السياسي العام للمنطقة. لم يضطر أحد الحزب للانخراط في الإحتجاجات، و لكنه عندما اختار موقفه بدا محافظا أكثر مما كان ينبغي له. فأن تنتظر الديمقراطية لتأتيك، عبر صناديق الاقتراع في بنية سياسية ملغومة، شيء و أن تسعى إلى تحقيقها شيء آخر. ففي بلد كالمغرب، لا يمكن قياس الديمقراطية بمجرد شفافية و نزاهة الانتخابات، بل كذلك بمدى ما تمنح نتائجها من سلطة للمنخَبين الفائزين. فالمشكل يكمن أساسا في سوء توزيع السلطة بين الفاعلين المنتخَبين من قبل الشعب و أولئك غير المنتخبين (الملك و مستشاريه و مسؤولي الادارة الكبار)، و ليس في لعبة الانتخابات - التي يمكن إرباك قواعدها السليمة بنقرة زر ممن يديرون السلطة الفعلية بالبلد.

و بتحفظه ذاك، يكون الحزب قد ناقض أطروحته المتبناة في مؤتمره الوطني السادس: أطروحة النضال الديمقراطي: "طـْـلَع تاكْل لْـكَـرموس، نْـزل شْكون ڭالْها لـيك"!

لقد وعى الحزب أهمية دور حركة 20 فبراير على صعيد إيجاد توازن نسبي بينه و بين القصر. و هنا فقط شرع في التأكيد، تصريحا و تلميحا، على أهمية بقاء الحركة. لكن اكتشافه للأمر جاء متأخرا. و عندما سمح – ضمنيا – لبعض شبابه (مناضلو منظمة التجديد الطلابي وغيرهم) بالنزول للشارع كتفا إلى كتف إلى جانب الفبرايريين لدعم الحركة بقصد ضمان استمرارها – بعد أن كان قد وبخهم و حذرهم من أي مغامرات شبابية غير محسوبة في المراحل الأولى للحركة- كان قراره ذاك صائبا و لكن بعد فوات الأوان – نسبيا. و لذا، حينما نزل بعض شبابه إلى الشارع الفبرايري وجدوا أنفسهم يحتجون ضد الفساد و الإستبداد في وقت قل فيه الزخم الاحتجاجي، ثم إن مشاركتهم كانت من باب المشاركة و ليس الشراكة مع شباب الحركة؛ و لذا سرعان ما رجعوا من حيث جاءوا.

لقد كان الحزب احترافيا، في أدائه السياسي، و براݞماتيا، في تطلعاته، بامتياز في تعاطيه مع دينامية الحركة، تارة لخدمته هو – كحزب يطمح إلى كسب قوة سياسية في مقابل القصر و حاشيته- و تارة لخدمة الديمقراطية في البلد. هذا أمر لا ريب فيه. لكن على الأقل كان، في توجهه هذا، أكثر وضوحا مقارنة بكثيرين، و الذين إما لجئوا إلى الصمت أو الغموض في تحديد موقفهم من الحركة، و ربما حتى إلى الاختباء ورائها.

حقائق سياسية تستدعي الانتباه .. و العمل !

لقد طرأت على الساحة السياسية المغربية مستجدات كبيرة خلال العقد الأخير و خلال السنة الماضية: لم تعد العدمية السياسية و لا القراءات المبتسرة و لا الطموحات الغامضة و لا الأطروحات غير الواقعية و لا المواقف الاقصائية و لا الممارسات المتعصبة لها مكان في ساحتنا السياسية. أصبح أكثر وضوحا اليوم أن هكذا نزوعات هي واحدة من الأسباب الرئيسية التي تعطل مسار الديمقراطية بالبلد. فاستغراق القوى السياسية، الحقوقية و المدنية طاقاتها في تجاذبات على هامش أسئلة الناس – بدعوى الدفاع عن مصالحهم - هو أكبر مصدر للإضرار بمصالح هؤلاء !

هذا من جهة، و من جهة ثانية، و بناء على أساس مقولة: حبل السياسوية قصير (على وزن: حبل الكذب قصير)، يبدو أن البلد على شفى حفرة و لم يعد مسموحا تأجيل انخراط البلد الكامل بنادي الديمقراطية و الإنماء. لم تكن السنوات الإحدى عشر من حكم محمد السادس سنوات عهد جديد حقيقة. إذ استمرت الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، توطَّن التخلف الاقتصادي والاجتماعي وتكرس مشهد سياسي مأزوم و غير سليم و بعيد عن الأجواء الديمقراطية. خلال هذه الفترة لم يكن متقلد منصب قيادة الحكومة هو نفسه من يقود البلاد، و لا من يملك القرار يتحمل تبعاته و لا من يفسد يلقى عقابه.

هذه بالتحديد هي المؤشرات الرئيسية التي تجعل من البلد برميل بارود لا يمكن التنبأ بمآلاته. فالضامن الحقيقي لاستقرار البلد ليس هو القَـصر و لا هي الجماهير الصامتة، بل هي الديمقراطية و احترام كرامة المغاربة.

و إذا كانت حركة 20 فبراير قد أطلقت صرخة قوية من أجل كرامة الإنسان المغربي، فإنه جاء الأوان أن تبدي صرخة مماثلة من أجل الديمقراطية بالبلد، بعيدا عن كل ثوروية متطلعة لثورة لم تينع بعد شروطها. فالثورة لا تنطلق بصفارة جهة معينة و لا تتوقف على وجود نيات صادقة تنوي السهر عليها، بل ترتبط بشروط تاريخية تعتمل في داخل بنية الدولة و المجتمع على السواء.

لا أدري هل الوقت مناسب لإعادة طرح مقترح سابق لكاتب السطور: ربما حان الوقت الذي أن تنتظم الحركة في إطار الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، على أساس ميثاق – تنظيمي و فكري – يجعل منها فضاء عمل مفتوح للجميع، و يقيها كل تدليج فج قد يدفعها سريعا إلى خانة الحسابات الضيقة و الزوايا المظلمة، على أن تكون مهمتها واضحة: دعم و تكريس مسار الديمقراطية بالبلد بهدف تحقيق كرامة المواطن المغربي و ذلك بكل الأشكال النضالية الممكنة.

يجمع أغلب المتتبعين على أن الذي بقي اليوم هو فكرة 20 فبراير و ليس حركة 20 فبراير: فكرة صحيحة نسبيا. و هي فكرة عبرت عنها المناضلة الكبيرة السيدة خديجة الرياضي عندما قالت: اليوم، حركة 20 فبراير هي أقوى و لكن بشكل مختلف (و هي تقصد بذلك تصاعد وثيرة الإحتجاجات ذات المطالب الإجتماعية الصرفة غير المؤطرة من قبل حركة 20 فبراير).

نعم، لقد عرفت الجغرافية المغربية انتفاضات شعبية هنا و هناك – كما سبق ذكره آنفا- و هي إشارة يتعين التقاطها جيدا من قبل آل النظام. فلا زالت كل أسباب الربيع المغربي قائمة. فضعف القدرة التوزيعية للدولة – كما جاء في مقالة للأكاديمي د. عبد الرحيم منار أسليمي – "بدا واضحا في سنة 2011 ، وهي قريبة من مرحلة الدولة "الرخوة"، دولة تَـحْـتضر فيها الطبقة الوسطى بين المغربي القادر على اقتناء معطف الشتاء من مجمع « موروكومول » بالدار البيضاء ب 150 ألف درهم والمغربي الذي تقف مقدرته الشرائية لمعطف الشتاء في حدود 50 درهم من «جوطية سيدي ميمون» بمراكش. فالمبررات النفسية للاحتجاج الاجتماعي والاقتصادي لم تنته" .

و على المستوى السياسي تحديدا، التحدي أمام حركة 20 فبراير ليس سهلا على الإطلاق في مقابل آل النظام الذين لن يترددوا في الإصرار على إنجاح ردة سياسية ترجع بهم إلى عهد القبضة على الوضع. فعهدنا بالمخزن أنه يُدمن ادخال إصلاحات بطريقة الجرعات، ويكره أن تمشي الأمور على غير دقات ساعته.

كما تحتاج الحركة كذلك إلى معرفة مجال اشتغالها بعناية. فهو صعب بالتأكيد و لا مجال لإنكار أن هناك مسائل تندرج تحت عنوان: مغربي. لم نقبل "حَدُّوتة" الاستثناء المغربي كرواية تنزع قابلية وقوع الثورة في المغرب و حق الشعب المغربي في ذلك إذا ما رغب فيه، لكن لا يمكننا أن ننكر أهمية الخصوصية في التعاطي مع الشعب المغربي بكل فئاته، إمكاناته و تطلعاته و تطلعات أفراده وآمانيهم ومخاوفهم كذلك.

سأل كاتب السطور صديقة و أديبة مغربية عن وجهة نظرها في مستقبل حركة 20 فبراير. و مع أنها لم تتردد يوما في الإشادة - عبر صفحتها الفايسبوكية - بالثوار في أكثر من دولة – على رأسها ثوار مصر – و في الاحتفاء بالثورات كمصدر للحرية و الكرامة، فإنها أجابته باختصار شديد: " أعتذر عن عدم الإجابة، لأني أكره السياسة" !.

لقد تبدلت أشياء كثيرة في مشهدنا العام اليوم، و لا يمكن إنكار هذا إلا من قبل كل ساذج أو عنيد. لم يعد يُـسعف أحدا – إسلاميا كان أو يساريا أو يمينيا أو مَخزنيا - الاستعانة بالقاموس السياسي للأربعة أو للثلاثة عقود الأخيرة، أو قاموس ما سمي تواهما بالعهد الجديد، بل لم يعد يسعفه حتى ذاك لما قبيل 20 فبراير من العام الماضي. و ليس من المبالغة القول، أنه حتى قاموس ما قبل 20 فبراير 2012 لم يعد، إلى حد بعيد، صالحا!

 فؤاد بلحسن belahcenfouad@gmail.com  



الأحد، 29 أبريل 2012

بانوراما دينامية حركة 20 فبراير بعد عام من الحراك - الجزء الثاني

مأزق كثيرين و آمال متعددة – (الجزء 2)
العدل و الإحسان و ضرورة البحث عن هوية بديلة !

لقد ترجلت جماعة العدل و الإنسان عن سفينة حركة 20 فبراير في وضع لا يحسد عليه. فلا هي حققت مكتسبات سياسية في مقابل النظام السياسي و لا هي عَبَرت إلى القومة (= الثورة من منظور الجماعة) كما عبرت الجماهير الإيرانية بإرشاد من الإمام الخميني إلى الثورة الإسلامية، و لا هي وصلت إلى السلطة، عبر صناديق الاقتراع على غرار بعض التنظيمات الإسلامية في الدول العربية التي عايشت نصيبها من مخاض الربيع العربي (تونس، مصر، ليبيا و قريبا اليمن و ربما سوريا و البحرين كذلك).


قد لا يبالغ من يقول أو قال: إنها هي الخاسر الأكبر من كل ما جرى حتى الآن. فقد ظلت الجماعة، حوالي ثلاثة عقود، تعمل داخل تنظيمها على التعبئة و التربية ليوم تتجمع فيه ظروف الخروج ضد الحكم العاض – كما تصفه أدبياتها- و عندما جاء أفضل ظرف ممكن - و ربما سيبقى الأفضل لسنوات أو عقود مقبلة على الأقل بالنظر إلى السياق العام التي مرت به المنطقة - خرجت الجماعة محتجة مناضلة لفترة ثم عادت بدون المراد. بل هناك من يقول أن كل ما فعلته الجماعة هو أنها كشفت نفسها لا غير. و لسائل أن يتساءل: كيف بعد اليوم يمكن إقناع المجتمع و النظام السياسي أن العدل و الإحسان قوة يجب أن يضرب لها ألف حساب و حساب؟. فمؤكد، حتى الآن، أن الحقيقة السياسية الكبرى بشأن الجماعة هي أنها فاعل سياسي كباقي الفاعلين الآخرين، و لا تتميز عنه إلا بقوة سياسية نسبية و التي لا تعني أكثر من كونها كذلك. أو قل: لا قومة في الأفق؛ كحدث تاريخي ينتج عن ساعد فاعل وحيد باستطاعته قلب الطاولة على النظام القائم.

فلا يجب بأي حال من الأحوال أن تحجب الخرجات الاحتجاجية - التي تنظمها الجماعة اليوم بعد توقيفها لنشاطها بالحركة- حقيقةً على قدر كبير من الأهمية، و هي أن الجماعة دخلت في طور جديد من وجودها السياسي، ينطلق من تدشين نقد ذاتي - إن لم نقل جلدا للذات – و سينتهي، حتما، إلى البحث عن هوية جديدة للجماعة بعيدا عن مثاليات الايديولوجية و الخطاب و الممارسة. فهذه الخرجات، و إن كانت تعبر في شق كبير منها عن التزام الجماعة بقضايا الأمة الاسلامية – و على رأسها قضية فلسطين المقدسة- وقضايا الشعب المغربي، فإنها تستبطن كذلك رغبة في ترميم – و الأصح قول: مداراة - جرح عميق في ذات الجماعة ! شاءت أم أبدت، حان وقت المراجعة الجذرية لمنهج الجماعة – فكرا و تنظيما و زحفا.

لقد نزلت العدل و الإحسان عن سفينة حركة 20 فبراير، و نثرت بيانا يقول و لا يقول: كُتب ليبرر فجاء على شاكلة قرينة إدانة. لكن تعالوا نستكشف معا، ما رآه كاتب السطور، الأسباب الحقيقية لتوقيف نشاطها، فما كان باستطاعة البيان أو الجماعة - عن طريق المتحدثين باسم هياكلها- ذكرها صراحة.

لنخرج من رقعتنا، و لنرى ماذا جرى على طول الجغرافيا السياسية العربية خلال السنة الأخيرة: في كل التجارب الثورية و النضالية التي جرت بالدول العربية أخذت هذه التجارب طابعا دينيا مهما و بارزا. لقد شاهدنا جميعا الثوار و هم يرفعون شعارات دينية (مصر، اليمن، سوريا، ...)، يُـصلون في الساحات ( اليمن، مصر، ...)، يعلنون الجهاد (ليبيا)، يَصلون، عبر التنظيمات الإسلامية التي تمثلهم، إلى الحكم (تونس، مصر، ليبيا، و قريبا جدا اليمن)، بل و يعلنوا أن مصدر قوانينهم الرئيسي سيكون الشريعة الإسلامية (ليبيا، و ربما كذلك في مصر و اليمن). كل هذا يحدث في الجوار، و الجماعة تجد نفسها، في أكثر من مناسبة، "مقموعة" حتى من قراءة الفاتحة جهرا على الشهداء، بل حتى على شهيدها هي (كمال العماري). كل هذا جعل الجماعة تحس كما لو أنها تنجر إلى منطق علماني طالما عادته في أدبياتها، بل أكثر من هذا جعل الجماعة تعيد مراجعة تاريخ طويل من التربية و الدعوة الدينيتين و كيف تحولتا إلى بخار في الشارع: فلا فرق بين دياني وعلماني في الشارع الفبرايري: فقط شعارات عارية عن كل ميل إيديولوجي على العموم، و هو ما لم تتحمله الجماعة طويلا، و لن تتحمله على الدوام. و قد جاءت أحداث سوريا و القمع الدموي الذي ووجه به مدنيون عزل (ولا أتحدث هنا عن أولئك الذين حملوا السلاح و اصطادوا في الماء العكر لفائدة إسرائيل و الولايات المتحدة الأمريكية و بعض قيادات و دول الخليج) فردوا بإعلانهم التوكل على الله، في مواجهة النظام، و حب الشهادة في سبيله، و تحلقوا حول المساجد مُصرين منذ البداية على إبراز إيمانهم ووعيهم الديني وقيادته لهم (كان هذا أكثر بروزا قبل أن يختلط الحابل بالنابل في المشهد السوري)، نعم جاءت هذه الأحداث لتضع مِلحا جديدا على جُرح الجماعة، التي رأت أن مجالس التربية و دروس البطولة التي أَنشأَت عليها أبنائها لم تصنع منها حركة طليعية ثورية تقدم شهداء في سبيل المبادئ و الأهداف الثورية/القَوْماتية.

لقد تصرف النظام ببرودة أعصاب كبيرة فأربك الجماعة و خلط أوراقها. و مع ذلك، فإن جريان الأمور على هذا النحو ستكون له بعض "الحسنات" على الجماعة أيضا، من حيث أنه سيدفع قياداتها إلى التفكير في إجراء مراجعة ما للفكر و التنظيم و الممارسة. و في الواقع، شرعت الجماعة في إعادة قراءة المشهد المغربي و ذاتها على السواء، و نحتاج – كما هي أيضا - بعض الوقت لنفهم حدود المراجعة تلك، و ما إذا كانت جذرية أم سطحية أم غير ذلك.

و في الواقع، بدأت المراجعة داخل الجماعة منذ اليوم الذي تحسست فيه موطأ قدمها في الحراك الفبرايري؛ إذ طالعت فنجان مآلاته، فاستقر رأيها- بعد تردد دام أشهر عديدة- على ضرورة الانسحاب بأقل الخسائر الممكنة، قناعة منها على أن لا أفق للقومة هنا، و لا للثورة بمعناها العام كذلك. لم تقل الجماعة أن قرارها ركوب السفينة كان خطأ - و لا هو كذلك - و لكن تيقنت أن رهانها ذاك كان خاطئا، أو على الأقل خطـَّـأته الوقائع و التطورات التي ساهمت هي نفسها في نسج جزء كبير من تفاصيلها. فعدم وقوع لا القومة و لا الثورة ، يعني أن الجماعة لم "تُـهيأ" بعد أسباب الأولى (و هنا السؤال: متى إذن؟)، و عدم وقوع الثورة كذلك يعني أن الجماعة لم تستطع، مع استعداد كبير لدى بعض حلفائها بالشارع، تحقيقها (و هنا السؤال: هل فعلا حجم و قدرة الجماعة الحقيقية أقل بكثير مما تتصوره هي نفسها عن نفسها، بله ما حاولت تصديره للنظام و للمهتمين بالشأن العام و للناس عموما ؟).
الجماعة في امتحان و محنة !

* * * * *

اليسار الجذري و ضرورة البحث عن ذات و خطاب جديدين

لقد كشفت وقائع الربيع العربي عن عجز كبير في كيان اليسار العربي، و خاصة الجذري منه. فعلى طول الخريطة الثورية والمحطات الانتخابية انتكست أعلام اليسار لصالح الإسلاميين. و هو يتحمل مسؤولية ما وصل إليه. ففي المغرب تحديدا (حيث اختلط بعض اليسار باليمين و بالمخزن على حد سواء، و ما عاد يمثل اليسار، إلى حد كبير، سوى جناحه الجذري)، لا زال اليسار الجذري يبدو هو هو لم يتغير فكرا و ممارسة: حتى أسلوبه التعبوي و النضالي لا زال هو هو، بل و خطابه أيضا لا زال يجتر نفس الأسطوانة: فتراه يضع خصومه (أو قل أعدائه) في نفس السلة مع المخزن، تحت عنوان: المخزنيين. فلا زال خطاب الطهرانية السياسية والنضالية يسيطر على الضمير الجمعي لهذا المكون - الذي سمحت له الظرفية السياسية الخروج للتعبير جهرا عن مكنونه – كما سمحت بنفس القدر للجذريين الإسلاميين. إنك لا زلت ترى و تسمع اليسار – أو أغلب مكوناته، و خاصة المناضلة اليوم في صفوف حركة 20 فبراير - ينعت حتى أولئك الذين تمرنوا و خَـبروا العمل الديمقراطي و أبانوا عن حس و تطلع ديمقراطيين بـيِّنين في تجربة سياسية نضالية بالرجعيين أو بالظلاميين لمجرد أنهم إسلاميون (الخطاب المعلن حينا و غير المعلن حينا آخر لدى الكثير من اليساريين - و بشكل أشد عنفا لدى الجذريين- في حق العدالة و التنمية مثلا). كما لو أن الاستئصالي ليس بظلامي، أو كما لو أن من يَعتبر مرجعيته، التي تنهل من أدبيات مر عليها قرنان من الزمن، تخرجه من زمرة الرجعيين. فلا زال الكثير من الرفاق اليساريين يحللون بنفس أدوات ماركس و أنجلز وينتهون إلى نفس نتائجهم، و حتى إذا تقدموا خطوة أخرى زيادة، توقفوا عند كتابات لينين. و يخفى عليهم أن الجميع في هذا الهوى سواء : التقليد و أزمة التأويل، أو قل أزمة الإبداع و أزمة فهم الواقع و التعاطي معه بإيجابية!. لقد دفعت النرجسية النضالية و تضخيم الذات إلى حجب الكثير من المتغيرات هنا، و أصبحت الأيديولوجية أكبر عائق للتعاطي مع الواقع بدل أن تكون أهم أداة لتغييره. و من هنا محنة اليسار المغربي! 

فلقد وصلت المحنة السياسية ببعض مكونات اليسار أن يعلنوها ثورة بُـعيد انتصار الثورة (ما يجري في تونس حتى كتابة هذه السطور، مثلا). و لَعمري، هذا هو الإفلاس المبين! فبدل الانخراط في دينامية ما بعد الثورة التي توافق أغلب التونسيون – إسلاميين و غير إسلاميين- و بشكل ديمقراطي على تدبيرها من خلال آلية صناديق الاقتراع و على أساس اجتماع سياسي ينطلق من مركزية حقوق الانسان التونسي، نجد أن بعض مكونات اليسار هناك ترفع اليوم مطلب إسقاط النظام في تظاهرات يشارك فيها، هنا وهناك، بعض المئات في مدينة سيدي بوزي و غيرها! أمر غير مفهوم !

خلال نشاط ثقافي نظمته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان (مدينة بوزنيقة، بتاريخ 30 يناير الماضي)، تضمن درشة تفاعلية مفتوحة بين طلبة حقوقيين و الصحفي البارز – صاحب الميول اليسارية – خالد الجامعي، حيث عرض هذا الأخير وجهات نظره حول آخر التطورات في المنطقة السياسية في المنطقة العربية و مستقبل الديمقراطية بالمغرب على وجه الخصوص. و أثناء تعليقه على مسار تدبير الواقع السياسي بعد انتصار الثورة التونسية المجيدة، أبدى امتعاضا من هذا الواقع معتبرا إياه تراجعا عن مكتسبات الثورة، وذلك "بالتأكيد" لأن مآلات الأمور دفعت بالإسلاميين هناك إلى المقدمة!. سأل كاتب السطور الصحفي المذكور، بعد تعليقه ذاك بما مضمونه: ... لكن أيها السيد، اسمحوا لي بالقول إن كلامكم يكاد ينفجر ذاتيا بسبب تناقضاته الداخلية الكبيرة، ففي الوقت الذي تحتفي بالديمقراطية و تقيس الأمور على ضوء معاييرها، نجك في الوقت ذاته تسحب كل الشرعية الثورية و الديمقراطية عن التجربة التونسية الجارية اليوم بقيادة إسلاميين و قوميين. أيها السيد، هلا قلتم لنا، ما هو الوضع الذي تريدونه في تونس حتى تعتبرونه ديمقراطيا ؟!! ". رد الرجل، لكن في "تْشْقْـلِـيبة" بهلوانية، كأنه ليس هو. فقد باشر خالد الجامعي – الديبلوماسي و ليس الصحفي هذه المرة! - خطابا جديدا باعثا بأحر متمنيات النجاح للتجربة الديمقراطية التونسية الجارية!. العجب!
كم هو قبيح فعل التمسرح عندما يصعد خشبة الفكر.
كانت هذه تناقضات رجل غير جذري، فافهم!.

و على صعيد آخر، تحولت العلمانية في خطاب أغلب مكونات اليسار إلى دواء لكل أدواء المنطقة العربية؛ إذ أصبح شعارا يعلوا على كل تطلعات الشعوب المعبر عنها حقيقة، و ليس بالوكالة. إذ لم نسمع و لم نر و لا حتى ألفا من المتظاهرين خرجوا للمطالبة بالعلمانية. بالتأكيد، ليست العلمانية في معناها و مبناها أمرا من شأنه تهديد دين كالإسلام، ولا غيره من الأديان السماوية، لكن طريقة التعاطي معها و جعلها معركة المعارك يُـفقد اليسار ذاته الكثير من الواقعية، خاصة عندما يعلن تنكره جملة للإرث الثقافي و الحضاري للمنطقة وللدول القـُـطرية كل على حدى. فـ"علمنة التدين" و "تديين العلمنة" أمر لا مفر منه: وهذا ما لا يريد الكثيرون فهمه، مستمرين في محاربة طواحين الهواء و السباحة ضد تيار التاريخ !

إننا بتنا اليوم نستقبل هذا الهوس بالمطالبة بتطبيق العلمانية – كما هي مطبقة بفرنسا مثلا- في بلدان المنطقة العربية والإسلامية، بنفس الاستقبال الذي نستقبل به دعوة بعض السلفيين تصدير تطبيق الشريعة – كما هي مطبقة بالسعودية – إلى بلدان أوروبا الغربية. مطالب غير واقعية لأناس غير واقعيين !

يبدو أن سياسيينا يزايدون في موضوع لا يحتمل "خربشات" الأطفال. خاصة إذا اطلعنا على مسألة عميقة و حقيقية في النفس والسلوك البشريين، و هي أن الجميع ينزع إلى خلق مثالياته/دينه: فالتنكر مثلا للدين السماوي لا يعني التنكر لكل دين: و إنما هي عملية هروب من دين إلى دين آخر. و على هذه الفكرة أكد الوحي حينما قال: "لكم دينكم و لي ديني". ففي هذه المسألة يتساوى البشر: كلهم متدينون، و لا مجال للمزايدة، فيكون الجميع مدعوا إلى البحث عن أسس للتعايش، بل و للعمل المشترك - في السياسة كما في الثقافة و الاجتماع و غيرها – بدل الجدال العقيم.

* * * * *

(يتبع: في الجزء الثالث سيتم الحديث عن: علاقة العدالة و التنمية بدينامية حركة 20 فبراير و معالم المعادلة السياسية الجديدة في فضائنا العام)


فؤاد بلحسن belahcenfouad@gmail.com


الثلاثاء، 24 أبريل 2012

الاتحاد الزموري ... و رغم ذلك يحق لنا ان نفتخر ... لتستمر الاستماتة

الاتحاد الزموري،هذا الصرح الرياضي الذي ظل رغم الداء و الاعداء يصارع تحدي وشم الاسم في الذاكرة بيين مصاف الكبار...بين حرقة الاقصاء ومرارة "الحكرة"...بين ضيق ذات اليد و انفة حاتمية يختمها كبرياء الامازيغي ،تغنينا عن طاطاة الراس.هذا الراس الذي ظل شامخا شموخ الاطلس،هذا الراس الذي كتب على جبينه بمداد العز و الفخر تاريخ انجب رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه...فانبروا لرصاص الدل بصدور عارية.

مقدمة طلالية قد يتساءل البعض عن ماهيتها و عن جدواها،فلا مقاربة الموضوع و لا عنوانه يستدعي ان نبطن التاريخ بالجغرافيا...؟؟؟
اقول ان ماحدث اليوم (23/04/2012) بملعب 18 نونبر بالخميسات فيه خلخلة للدات و الذاكرة الجماعية، فيه نقط استفهام و تعجب حلت محل نقط الحذف ...

ملعب 18 نونبر و الممارسة الكروية بالخميسات احالانا على قراءة الواقع قراءة سيميولوجية يحضى فيها علم الدلالة بنصيب الاسد في التحليل الموضوعي الذي يتحول الى تحليل عاطفي نوستالجي قد يجيش المشاعر الى حد البكاء...

ان ما يجري للاتحاد الزموري للخميسات في ملعبه الذي يحمل اسما( 18 نونبر) يدل دلالة –لا خلاف فيها- انه اسم اقترن في التاريخ الوطني بالحرية و الانتفاضة على القهرو الغبن و قساوة الاستعباد ،لكن بقدرة قادر تحول هذا الفضاء الذي صنع الابطال و الامجاد، الى رقعة لتمرير الظلم و الجور و الاستهجان بابناء زمور وكل ذوي الصلة.

اليوم تاتي الصرخة من هذا الملعب ، ناعية المسار التنموي بالمدينة الذي لا تحفظ ما تبقى من كرامتها سوى كرة القدم التي تدخل اسم حاضرة زمور- الخميسات- الى ردهات المنتديات و الصفحات و يسمع صدى دويها عبر اثير الاذاعات و الشاشات،رغم انف من يتقبل هذا الاسم على مضض و يستسيغه لقمة مرة يبتلعها بصعوبة غيضا و حقدا.

مباراة الاتحاد و الفتح اماطت اللثام خلى رزنامة من الخطط المبرمجة في الزمان و المكان تضع نصب اعينها اقبار طموح جارف لاقليم باكمله. فدعونا "نشرح و نملح" ماحدث في مباراة اليوم لنكشف خيط العنكبوت الذي يصل الرياضي بالتنموي بالاقتصادي.....بالمقابلة عرفت استنهاض للهمم من اجل تحقيق نتيجة ايجابية قد توقع بالمرشح المزعوم لنيل درع بطولة من ورق،و تخرج الوافد المشؤوم(في نظرهم) من المنحدر المؤدي نحو قسم الظلمات، شاهدنا فريقين بامكانات مختلفة، الفتحيون سخرت لهم من الموارد المادية و البشرية ما قد يغني عن صدقات الحكام و هبات اللئام ،يرتدون من القمصان ما قد رصع باسماء المستشهرين ،و الزموريون يصارعون ضيق الحال و المال ببدلات تكاد تخلو مساحتها الا من اسم يحمل اسم مئذنة توحي دلالة الى شموخ كشموخ هؤلاء الشباب.

المباراة كانت رتيبة ،لم يرفع صخبها الا انبعاث اصوات الاحتجاج على حكم اساء لشجرة البلوط قبل ان يسيء لصورة التحكيم و الكرة في بلادنا ، شجرة البلوط الصامدة -التي تغطي اغلب غابات زمور-تبرأت منه براء الذئب من دم يوسف،لانه قدمها زقوما يكوي البطون ، حط من سخاء هذه الشجرة الضليلة التي تضرب مثالا في العدل فهي تمنح ضلها للكل دون فرق و دون اجر او ارتشاء.

لم يقف هذا الرجل (بمعنى الذكورية فقط) هنا بل عتى في الملعب فسادا فمنح ضربة جزاء خيالية حولتها الطاف السماء و همة الاقوياء الى سهم في قلب حاقد بعدما امست الكرة في الخارج بعد ان صدها "امسا"،هذا الحقد الدفين سيتوهج من جديد من خلال توجيه حزمة من الاندارات للاعبي الزموري و طرد مساعد مدرب الاتحاد الزموري و اجج غضب الكل بعدما احكم تبليط عينيه حتى يتغاضى عن ضربتي جزاء و اضحتين ناهيك عن الاعلان عن تسللات لا يتقاسم رؤيتها الا هو و مساعده داعيا الجميع الى زيارة اطباء العيون،فنؤكد ان من كان شاردا هو من عين هذا الحكم لادارة مباراة يقول عنها اخر الفاهمين للكرة انها تحدد التراتبية في القمة و السفح.

الامور لن تتوقف هنا فقد تحول هذا البطل من و رق بمعية مساعده الاول الى مطاردة خلق الله كاننا في حلبة لمصارعة الثيران ليتوجها بالتطاول على "طوال" المراقب الاقليمي للامن بالخميسات و نعته باسوء النعوت هو و تلة من رجال الامن الذين كانوا يوفرون لهما الحماية من جمهور غاضب يصارع غصة التحامل المكشوف،و بعدها افرغ جام غضبه على رئيس الفريق الزموري و الصحافة المحلية و الجمهور و الامن ....ليعتقل نفسه بنفسه في مستودع الحكام رافضا الخروج و رافضا تسليم رخص اللاعبين التي احتجزها كرهينة بغية ثني المكتب المسير و المراقب الاقليمي عن متابعته بتهمة الضرب و السب و الشتم و الاهانة...

بطل اخر استاثر بالاهتمام و جعلنا نطرح علامات استفهام كبرى هو النقل التلفزي لهذه المباراة:

* هل هو غائب ليغيب معه شاهد الاثبات على مهزلة الحكم؟
*هل يندرج هذا ضمن الطوق الاعلامي الذي تفرضه قنواتنا – التي تنتعش من جيوبنا- على عاصمة زمور ؟
و المتابع للنقل التلفزي يلاحظ تحيز الواصفين –بشكل انتقاصي-الى فرق غير الفريق الزموري ولو كان الاخير اسدا في الملعب....
الندوة الصحفية التي اعقبت المباراة تحولت من ندوة تقنية الى ندوة للناطق الرسمي للفريق الزموري و رئيسه سلطا فيها الضوء على الاجراءات التي سيتخذها المكتب اثر هذه المستجدات وتتمثل في اجرائين :
*رفع دعوى قضائية ضد الحكم و مساعده
*رفع تظلم للجامعة حول التعامل اللااحترافي مع الفريق الزموري.

خلاصة :

بهذا السلوك العنصري يود البعض اطلاق رصاصة الرحمة و دق المسمار في نعش التنمية في مدينة الخميسات من بوابة كرة القدم كما عملوها في مجالات اخرى. للاشارة فقط عبر بعض الحقوقيين عن استعدادهم للترافع الى جانب كل الفعاليات ارتباطا بهذا الموضوع خول ما يلي:

*الاقصاء الاعلامي الممنهج الذي يعرفه الاقليم ضاربا مقتضيات الدستور القاضية بالحق في اعلام يسهل الولوج الى المعلومة.
*التحامل الاقصائي الذي تعرفه المدينة و الاقليم وما كرة القدم الا مجال عمل على انقشاع الضباب ,هذا الاقصاء الذي يعمل على ارجاع المغرب الى غياهب المركزية في زمن الجهوية الموسعة.
*اعادة الاعتبار لمن تم شتمهم و الاعتداء عليهم بما فيهم رجال الامن باعتبارهم مواطنين يحق التضامن معهم ضد اي انتهاك يطالهم اثناء تادية واجبهم مالم يقوموا بانتهاك او خرق.

و في الختام نقول لكل من يهمه الامر يحق لنا ان نفتخر بصحوتنا بروح التازر الذي عشناه عقب المباراة لنعلنها مدوية لتصم اذان من يعشق الصمم و تفتح اعين العميان الذين لايرون من الخضرة الا السواد ، لقد بدات لحمتنا تلتئم وكلمتنا تتوحد و خلافنا يدوب و غيرتنا تشتعل، فرب ضارة نافعة ... و تستمر الاستماتة...
محمد شاكري - الجسر الجديد


الاثنين، 23 أبريل 2012

الكتابة والجدار.. عن جمهورية الفيس بوك الكونية

1 - الكتابة حين تتم في الواجهة، واجهتك وواجهتي، فهي تتم على جدار هو جداري أو جدارك. الجدار واجهة أمامية تقي من الرياح، من العواصف؛ هو حامي الأسرار ومجمع الناس وأدواتهم: أمتعة، أفرشة، أغدية، أدوية،... وكلام أيضا. على الجدار نعلق صورا للتزيين، نضع أدعية: أسماء الله الحسنى، مثلا، بالنسبة إلى المسلمين؛ قد نضع صليبا: بالنسبة إلى المسيحين؛ نضع صورا لبوذا أو لهيكل سليمان؛ أو قد نضع صورا للاعب كرة مفضل أو لممثلة نعجب بها، وهكذا. نحن نضع صور من نحب أن نتبنى أفكاره على جدارنا كـ«تشي غيفارا»، مثلا. الجدار محل للتعبير الكتابي. جدار ثابت يمكن إعادة طلائه بصباغة ضرورية، ويمكن تزيينه بالمزيد من الصور كلما اقتضت الضرورة ذلك.

2 - هل الجدار محل للتعبير الكتابي فقط؟ ألا يمكن أن يكون مكانا لتجميع الكلام داخل غرفة؟ غرفة للدردشة؟ مجموع الجدران، وهي في الأصل أربعة، هو ما يشكل البيت.. بيت الإقامة، وحتى البيت الشعري الذي بتجميعه في كتاب أو ديوان يصير قبرا للشاعر. نحن ندفن صورنا وكلامنا على الجدران، إذن. ولكن ما الفرق بين الكتابة والكلام في هذه الحالة؟ هذا ما يجيب عنه الفايسبوك والتويتر ونظراءهما.

3 - جلس مارك زكربيرج وحده في غرفة صغيرة ذات جدران إسمنتية وزجاجية. وبهدف الخروج منها إلى العالم الخارجي والتحرر من ضغط الذات والإسمنت، استعمل حاسوبا وذكاء وتفكيرا، والمنطلق امرأة، وهكذا البداية دائما.. امرأة، صديقته التي أراد أن ينكدها. قرر أن يلعب معها لعبة الطلبة الأمريكيين الشغوفين بالإثارة والتفرد. أراد أن يلعب عليها فغير مفهومنا للحجر والجدران. هو مؤسس الفيسبوك وتلك بداية أسباب نزوله.. جدار بجدار. من الغرفة الإسمنتية الثابتة في الزمان والمكان إلى جدار الفايسبوك المتحرك في لازمان ولامكان. طالب جامعي أراد أن يتصل بزملائه في جامعة هارفارد بطريقة توفر الوقت والجهد، فأوصل الشبكة العنكبوتية بجدران يرى بعضها البعض في نفس اللحظة، قبل أن يجتاح الأمر كل جدران العالم وفي زمن قياسي لم يسبق له نظير.

4 - لكل فايسبوك جداره. هو أول صفحته التي ينشئها وتتكون من روابط متعددة وغير محدودة. صفحة جدارية للكلام قبل الكتابة أو فلنقل: صفحة جدارية لإخراج البيت من سره الدفين، ونشر الغسيل على الآخرين، من أجل التفاعل. التفاعل هو المقصود في الروابط الفيسبوكية لا مضمون النص والصورة والحركة. تفاعل من أجل التفاعل وأشياء أخرى من خلاله. نحن نكتب لنتكلم. وغاية كل كائن في العمق هي الكلام ولو من أجل الكلام. والإنسان هو الكائن الوحيد، حسب جاك لاكان، الذي يمتلك لغة ليتكلم بها. التكلم من أجل الذات أولا، ومن أجل فك الحصار عن جدار الذات بعد ذلك. فلمن نكتب، إذن؟ ولمن نتكلم قبل أن نقول: مع من نتكلم؟

5 - الحاسوب هو وسيط يتميز عن سائر الوسائط التي عرفتها الكتابة على امتداد تاريخها بكونه يؤدي خمس وظائف هي: الكتابة والقراءة والتخزين والبث والاستقبال (التلقي) (عن نص محاضرة للأستاذ الصديق محمد أسليم غير منشورة، أمدنا بها مشكورا). الحاسوب يؤدي هذه الوظائف دفعة واحدة: الكتابة، القراءة، بث الأخبار، تلقيها، وتخزين كم هائل من المعلومات. وهي وظائف لا يمكن للعقل البشري أن يقوم بها دفعة واحدة.

على جدار الفيسبوك تنضاف وظائف أخرى: وظيفة الإعلان، ووظيفة تكسير الجدار، ووظيفة إلغاء الصمت. وهذه الأخيرة هي صلب العملية الفايسبوكية، ولنتذكر السبب الرئيسي لنزول الفايسبوك قبل ملئه الدنيا وشغله الناس. كـَسِّرْ جدارك وأعلنه على الناس لتلغي صمتك. ولكن أين الكلام؟ أين الصورة الممزوجة به؟ ستتم استعارة ذلك من جهة أخرى مثل يوتوب، الموقع المتخصص في بث المتحرك، هو موقع لتحريك الثابت، للإثارة، للثقافة، للسياسة، للعبث، للدين، للإلحاد، لكل شيء، ودفعة واحدة وبسرعة تصعب مراقبتها ولو ذاتيا. لا مجتمع محدد لليوتوب. هو مجتمع قائم بذاته كما الأنترنيت والفيسبوك. خليط ضروري كجسم الإنسان وعقله وفكره ومجتمعه المادي. لا رقيب عليك سوى أنت نفسك. أنت وسنك وتربيتك ومقصدك وما توده من هذه الآلة، وأحيانا ما توده منك هذه الآلة.
عبر الفيسبوك تختلط الأمور أكثر، فأنت فرد داخل جماعة اخترتها واختارتك. قد تُكوّن معها مجموعة أقل، ومجموعة أخرى أقل من الأولى.

وأنت تنشر غسيلك لا تنتظر المؤشر الخارجي الذي لا تعرفه. تنتظر من يؤشر بالإعجاب على منشورك الجداري بـ: أحب أو j’aime أو I like ولو مجاملة. أحب جدارك، أحب ما قمت به، أحب اختيارك، هو هدف آخر وأساسي لتكسير الجدار وخلخلة صمته الهائل.
 
6 - أنا أنقل ثقافتي وأفكاري ولعبي وسخريتي عبر هذه الآلة.. أتهكم على أستاذ، أزكي فنانا، أتضامن مع مريض وأحشد له المزيد من التضامن، أفضح فاسدا ظلمني وظلم غيري، أصرخ في وجه من سلبني حقي في القول والفعل وأشياء أخرى وأنتظر مناصرين، أنقل الافتراضي إلى افتراضي آخر وآخر إلى أن يتحول شررا في الربيع والخريف معا من أجل صيف أبهى، أشوش على كل جاهز، تلك مهمتي عبر الفيسبوك، أو هكذا أريدَ لها أن تكون. وسائط متعددة تعوض المواقع الرسمية الثابتة وتحولها إلى مواقع اجتماعية اجتماعا افتراضيا قبل تحولها إلى مادة هائجة هائلة في الواقع. نحن نحتاج إلى الكلام بالقدر الذي نحتاج فيه إلى الصمت. «فمع الرقمية لم يعد هناك مركز ولا محيط، ولا تراتبية ولا مرجع موحد للقيم وللوضع الاعتباري للفرد. وقد تنطوي هذه النقطة بالذات على عناصر تفسير للحراك العربي الراهن» (أسليم: نفسه).

7 - آلة باردة. هذا هو الحاسوب الشخصي الذي أحمله معي، والذي قد يكون أصغر حجما من الآيفون وأصنافه المتعددة وسريعة الانتشار وبالغة الدقة في عصر اقتصاد المعرفة والتنافس التقني الهائل. إحياء الموتى هو ما يقوم به الفيسبوك. حياة بحياة أخرى موجهة من جهة أولى قد نجهل مصدرها أو نتجاهله على الأقل، لأننا نستبعد الإيديولوجيا بمعناها القدحي من تحليلنا هنا ولو مؤقتا (نشير هنا إلى كتاب فضائح الفيسبوك لشادي ناصيف الصادر عن دار الكتاب العربي، 2009، والذي سيطلق عليه صاحبه: أشهر موقع استخباراتي على شبكة الأنترنيت). يهمنا الفعل والنتيجة، فهل نحن في عصر سابق لأوانه؟

نحن في مدن المعرفة وفي مجتمع يعوض الإيديولوجيا بالعلم. هكذا نتصور الأمور في لاوعينا على الأقل. ولكن جماد الآلة لا يدفئه إلا عقل البشر المؤثر والمؤشر وواضع الأصبع على الأزرار. الأصابع هي التي تنقلك إلى عوالم متشابكة في ما بينها. هي ما نسميه بالشبكة العنكبوتية التي هي في الأصل مجموعة حواسيب مترابطة ومتفاعلة في ما بينها.. إنها ميدوزا العصر .

قد ألتجئ إلى تعطيل ميدوزاي لحظة ، يوما، أسبوعا، ولكن إذا طال الأمر فقد يحدث خلل ما لعالمي الداخلي الذي تشرَّب الآلة وحول برودتها إلى حرارة منتشرة في كل مكان، فأنا محاصر بالمعارف من كل جهة وفي كل وقت وحين. وساعتها، أجد نفسي مضطرا إلى الرجوع إلى حائطي. حائط قد أحوله إلى حائط مبكى، أحرك جسدي كله أمامه متذكرا الهيكل القديم. قد أقف أمام حائطي مشدوها من تذكر البراق الذي انطلق منه ذات مرة للارتفاع إلى عوالم أخرى لم أستطع يوما تمثلها بفكري المادي الضيق

جدار أو حائط الفيس بوك هو كل هذا وغيره، هو مدرستي ومقهاي وملجئي الذي أخرجه للناس، لا أحد مهما بلغ من قوة استطاع إلى حد الآن أن يوقف تسونامي الفيس بوك وتزايد المدونات ومنتديات الدردشة. كلام، كلام، عصر بيع وشراء للكلام، تجارة كلامية مجدية لأنها تداوي قسوة صمت الجدران. الكلام هو الميزة الأساسية للكائن البشري، يأتي قبل الخبز والماء.

الكلام أولا منذ الأمر به المواجه باستغراب: كيف يتكلم من كان في المهد صبيا؟ منذ الأمر الأول «اقرأ» الكبيرة الأولى المواجهة باستغراب آخر: كيف يقرأ من لا يستطيع فك الحروف؟ لا يمكنك الدخول إلى العوالم الافتراضية دخولا جيدا إذا لم تكن مسلحا بالمعرفة والقوة الداخلية المصرة على فعل المعرفة. المعرفة في كل مكان، منذ تعليم آدم الأسماء كلها، والأسماء هي العلم، والعلم هو ضرورة الكائن البشري، فلا كلام بغير علم. العلم هو الخير الذي إما أن تقوله أو فلتصمت.

8 - Partager أي شاركني أفكاري أشاركك أفكارك. أطلب نقل ذلك إلى محيطي وجماعتي، الضيقة منها والممتدة، عبر جدران قبلتـُها حين طلبتَ الدخول، ثم سميناها مجموعة أصدقاء. الارتباط بواحد سيقود إلى الارتباط بآخرين، وكل متشعب بجماعة أخرى إلى ما لا نهاية في الزمان والمكان الافتراضيين.

هل تبحث عن أصدقاء. في الدراسة؟ في الطفولة؟ في العمل سابقا؟ الفيس بوك هنا وسيلة تذكرية وتذكارية واسترجاعية، وسيلة لمحاربة النسيان رغم أهميته بالنسبة إلى الذاكرة. هذا بالنسبة إلى كبار السن؛ أما الأقل سنا فالفيس بوك وسيلة مستقبلية، ألم يفلح وما زال في تجميع الشباب في الربيع العربي للنزول إلى الشارع ضد الطغاة رغم ما يقال من تأويل في هذا المجال؟

الفيس بوك هنا هو حائط المستقبل، لكنه ثابت في الأصل متحرك بالافتراض، فكيف يمكن للافتراضي الثابت أن يؤثر على الواقعي المتحرك، على شارع لا جدار يحميه سوى جدار الأسلحة المكممة للأفواه ولحركات الأيدي والأرجل، أي لكل احتجاج؟

الجدار وسيلة تاريخية لتجميع الناس. نطوف به إذا كان مكعبا ولا ندخله إلا بإذن خاص، مخافة الفوضى وحفاظا على قدسية المكان وأهله الافتراضيين. قد نقف أمام بعض الجدران مندهشين من قوة بنائها كجدران المدن التقليدية بفاس أو مراكش أو القدس أو القاهرة أو حلب، مثلا. شيدت بعض الأسوار للتحدي، كسور الصين العظيم، وقد بلغ إجمالي طول الأسوار التي بنتها الأسر الملكية المختلفة حوالي 50 ألف كيلومتر عبر العصور التي ابتدأت منذ 770 سنة قبل الميلاد.

الإنسان هو من يبني الحيطان ويسور المدن ماديا. يبني الأسوار لحفظ الأسرار، يفعل ذلك لاتقاء شر الطبيعة والناس، يقوم بذلك أيضا للحفاظ على السر المحمول في الجسد حتى ولو كان الجدار من زجاج شفاف. داخل حيطاني، أنا حر أفعل ما أشاء: أتعرى، أصرخ، أمارس ما لا أستطيع فعله أمام الملأ، المهم أنني أتكلم بحرية تامة.. أفرح أو أبكي أو أشتم أو أمدح من أشاء متى أشاء. في التدوين وعبر الفيس بوك أصرخ أيضا وأحرض غيري على الصراخ وأحتج، وقد أحاكم على فعلتي، ثم أصنع مجتمعا بديلا أو أكرس آخر موجودا. أنا حر مع جماعتي، مع أصدقائي. قد تضيق المساحة أولا لتمتد بعد ذلك. كل فرد سينقل فكرته إلى آخر بمنتهى السرعة التي لا يحدها لا زمان ولا مكان. ثم نضرب موعدا في الشارع ونخرج خروجا هائلا من الجدار الثابت إلى تكسير حيطان الصمت.

10 - ما علاقة الأنترنيت، والفيس بوك منه على وجه الخصوص، بالخيال الخلاق؟ وهل تحقق هذه الوسائط الجديدة فرصا أخرى للخيال بمفهومه العام أو فلتقل للتخيل المبدع المتجاوز للمنطق الضيق؟ نحن في عالم افتراضي، وبالتالي فإمكانية فسح المجال أمام الخيال لا حدود لها. إنه علم الخيال.

ادخل معي في عالمي أدخل عالمك، خفف عني معاناتي اليومية الضيقة أنقلك إلى عوالم أخرى أبهى وأرحب، ولنتعانق على أجنحة الخيال، أجنحة الحكي، شلالات ورؤى ومداخل ومخارج يصعب القبض عليها. ثم إني أدعوك لزيارة مدونتي وأنت تدعوني إلى زيارة موقعك، وقد لا نلتقي بعدها أبدا إلا عبر هذا العالم الافتراضي الهائل.. خيال واقعي، خيال خلاق، عالم خيال وعلم خيال ينقلك بسرعة ضوئية مسافات، يقذفك من الحاضر إلى الماضي ومن الماضي إلى المستقبل، في تجاور هو مجمع الأضداد بكل ثنائياته وتعدداته.

الشبكات الرقمية تتيح تفاعلا غير مسبوق، وخاصة مع جيل الويب الثاني كما يرى يحيى اليحياوي: «هذا الجيل الذي فسح المجال للإسهام عوض الاستهلاك، وتحديدا أدى إلى انفجار ظاهرة المدونات الشخصية وبروز مواقع الويكي، حيث للمتصفح القدرة على إغناء المضامين (ويكيبيديا مثلا)، والتكاثر غير المسبوق للمواقع التشاركية، المرتكزة على اقتسام المعلومات، كما هو حال اليوتوب والدايلي موشيون والماي سبايس وسواها»، (يحيى اليحياوي، في القابلية على التواصل، التواصل في محك الأنترنت وعولمة المعلومات، منشورات عكاظ، 2010، ص: 112).

الثورة الرقمية والتكنولوجية عبر الأنترنيت والفيس بوك وما شابه تحقق الآن ما لم تستطع تحقيقه تجمعات الأحزاب وجمعيات المثقفين وحكومات السياسيين مجتمعة. إنها مدن المعرفة الجديدة بكل أصنافها. «ويمكن اعتبار مفهوم مدينة المعرفة مفهوما شموليا قادرا على استيعاب كل نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمدينة ما»، (فرانسيسكو خافيير كاريللو: مدن المعرفة: المداخل والخبرات والرؤى، عالم المعرفة، أكتوبر، 2011). مدن إذا أحسسنا استغلالها واستثمار حسناتها وأحسنا الإنصات لنبضها فقد نتغلب على التيئيس والتهميش والفقر الثقافي والعلمي ولو مؤقتا. ألسنا، كما يقول عنا الياباني نوبواكي نوتوهارا، كائنات تنشغل بفكرة النمط الواحد، على غرار الحاكم الواحد الذي يحاول الناس أن يوحدوا أشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم على غراره؛ لذا تذوب استقلالية الفرد وخصوصيته واختلافه عن الآخرين، يغيب مفهوم المواطن الفرد، وتحل محله فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد (نوبواكي نوتوهارا: العرب، وجهة نظر يابانية، منشورات الجمل، 2003).

لنزرع اختلافا ضروريا، إذن، في مواجهة أحادية قاتلة. لنترك العالم يسير والحائط يتحرك من الجدار إلى الشوارع البشرية التي بدونها لن يتحقق أي تفاعل طبيعي استنادا إلى الثقافي الذي هو وحده الكفيل بالإفراج عن غمة القول والفعل.
لنكثر من التفاعل الافتراضي دون إغفال التفاعل الروحي والجسدي الضروريين. لندخل الحداثة من بابها الواسع دون خوف ولا تشكيك، ولتكن المحلية هي منطلقنا الأساسي نحو العالمية التي تسعى إلى خدمة الإنسان، كل إنسان.

أحمد العمراوي




الجمعة، 20 أبريل 2012

الإعلام السمعي البصري الوطني بين الحرية والانحراف المهني


كلما ازداد هامش الحرية ببلدنا إلا وتزداد معه الحرية في الفساد بدل الإصلاح كما هو ملاحظ. لذلك ولسبب ما تعانيه اليوم منابرنا الوطنية من تدني الخلقي والمهني، لا شك أن الجميع اليوم مجمع على أن أسوأ الفساد وأخطره هو الفساد الإعلامي الذي يأتينا عبر القنوات الوطنية، ليغزو بيوتنا ويدمر عقائدنا بكل الوسائل المتاحة، من أجل خدمة أهداف الدول الأوروبية، لنيل رضاهم عنا وتزكيتنا للوضع المتقـدم،، حتى ولو كان ذلك على حساب أخلاقنا وعقائدنا وديننا كما يرغب البعض.. ورضاهم عنا هذا طبعا مقابل ذوباننا في عقائدهم وثقافاتهم كما جاء في قوله تعالى (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ.) 

نعم هذه القنوات التي عرفت مؤخراً أشد الانفلات والانحلال الأخلاقي بكل المقاييس، كانت من أحد أسباب هذا الرضا الأوروبي عنا، نتيجة نجاحها في إفساد شبابنا وأسرنا المقصودة بمحاربتها في عقر بيوتها، بواسطة هذه المنابر الفاسدة التي تجنّدت اليوم أكثر من الأمس، لاغتيال ما تبقى مما بقي في وطننا من أخلاق وقيم، وذلك عبر برامج وأفلام ومسلسلات فاسـدة.. وما هذا إلا استكمالاً لمخطط يتضمن عدة مراحل، بدأً بمرحلة التفقير والأمية التي هي أساس نجاح باقي المراحل المخطط لها، لأن الفقر والأمية يساعدان على ترويض الإنسان وتشكيله على النحو المطلوب، وهذا ما حصل اليوم حيث أصبحنا نرى العديد من الأسر والعائلات الفقيرة مادياً وفكرياً، شبه منومة مغنطيسياً تساق بسهولة لمن يشاء وحيث يشـاء.      

وبما أن الشعب المغربي اليوم واع بهذا الأمر فإن على الجميع أن يتحمل المسؤولية لمحاربة الفساد الإعلامي ببلدنا أولاً وذلك لكونه منبع الفاسد الأكبر ويغذي باقي أنواع الفساد الأخرى، اقتداء بقول الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.) إضافة لقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.) فقد آن الأوان لتغيير من أنفسنا وسلكنا قبل أن يصيبنا ما أصاب جزيرة "هايتي" بغضب من الله. كما جاء في قوله تعالى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيـراً.)

 وأرى أن أقل ما يمكن فعله، هو مقاطعتنا لهذه القنوات الفاسقة، والحد من تشجيعنا لها على المزيد من الفسق والفساد، لكي تعيد حساباتها فيما تبثه لأسرنا. هذا بالإضافة إلى مهرجانات الرقص التي تقام في هواء الطلق هنا وهناك، إلى أن أصبح المغرب عبارة عن مرقص لكل المذاهب والأجنـاس يؤمه كل فاسد وفاسق من كل حدب وصوب. 

وأملي في أن يُثرَى هذا الموضوع بأكبر عدد من تعاليقكم الصميمية لكي نبلغ استنكارنا لوزير الاتصال لإعادة النظر فيما يبثه الإعلام السمعي البصري ببلدنا على العمـوم. لأن الإعلام مدرسة إذا أعددته أعددت شعباً طيب الأخـلاق..

وبهذا سأكون أول المعلقين بهذه القصيـدة:

متـى ترحليـن!؟
متى ترحلين يا وصمة عار
فوق مراجع التاريخ
ودواويـن الأشعـار
متى ترحليـن ؟..
أما زلت قابعة مكانك
لا تنهضيـن ؟!..
ارحلـي..
ارحلي فزمنك  قد ولَّى
وعهدك راح وانجـلى
شاخـت أفكارك
هرم جسـدك
خـذي حقائبك عـنا وارحلي..
ارحلي يا وصمة عار
على منابر الأعـلام
وفوق دفاتر الأيام
فرحيلك عـنا..
راحة لكل الضجرين
من سماع مواويـلك
وزيـف أقاويـلك
تعلنين الأكـاذيـب
وتكتمين المصائب
فأقمار الغـرب  قد كشفت
عن كـل الأسرار والأدوار
مـن كـل الأقـطـار
متى ترحليـن.؟
متى ترحلين يا وصمة عـار
على جبين التاريخ
وكوالـيس الأخبـار.؟
شفاهك الحمـقاء..
مـأوى لكـل حقيـر مـدان
وسلاح الأشرار وملجأ الأمان
يا ذات اللقب الأثيم
يا ، ألف ، تاء ، ميـم
كم أخفيت عنا الحقائـق
وحرفت  كـل الوثـائق
يا فاقدة الأخـلاق والإيمـان
ومناقضة للشريعة والفرقان
شفاهك البلهـاء..
أظلتنا عن الطريـق
بالهتافات والتصفيق
شفاهك الحمراء..
لم تعـد تغريـنا
لم تعد تثير غرائزنا
سئمنا حروفك الجوفاء
ووعـودك الصفـراء
متى ترحليـن.؟
متى ترحلين يـا وصمة عار
في كل بيـت و دار
فرحيلك عنا راحة وشفاء
لكـل داء..
خـذي حقائـبك
خذي كل أمتعتك
احرقيـها..
كسريـها..
ولمِّي حطـامك واذهبي
اذهبي فـلا  أحد منـا
يرغب فـي بقـاك
لا أحـد..! لا أحــد..!

الحسين ساشا

الأحد، 15 أبريل 2012

بانوراما دينامية حركة 20 فبراير بعد عام من الحراك - الجزء الاول

مأزق كثيرين و آمال متعددة – (الجزء 1)

يمثل هذا المقال سليل خليط من القراءات لمقالات كُـتبت - على سبيل النقد أو المتابعة أو حتى السخرية، سواء كانت غثة أم سمينة - قـُـبَـيل أو بعد الاحتفالات بالذكرى السنوية الأولى لخروج حركة 20 فبراير إلى الشارع. و هو كذلك ثمرة مجموعة من الحوارات التي أجراها كاتب السطور مع عشرات الناشطين – قياديين و نشطاء عاديين - في صفوف التنسيقيات المحلية للحركة على طول خريطة البلاد و عرضها (مدنا كبيرة كالرباط، سلا، فاس، القنيطرة، آسفي، و غيرها أو متوسطة و صغيرة، كميسور، زاوية الشيخ، الخميسات، تزنيت، سيدي سليمان و غيرها) و كذلك مع عشرات الناشطين السياسيين- إسلاميين و يساريين و غيرهم. و أخيرا، هو كذلك نتيجة معايشة لمسار الحركة – كتابة و عملا ميدانيا - في معظم تفاصيلها و منعرجاتها.

هي محاولة لتقييم مسار حركة شكلت ديناميتها مرحلة تاريخية بامتياز في التاريخ العام للمغرب، وذلك عبر رصد فعلها و تفاعلها مع المحيط (الفاعلون السياسيون و المجتمع بدرجة أساسية) انطلاقا من الفترة التي سبقت الانتخابات التشريعية الأخيرة و إلى اليوم، ودون أن يعني هذا التنكر للمسارات الكبيرة التي سبقت هذه المرحلة و التي لازالت آثارها مستمرة (ربما رغبة لتجنب تكرار الأفكار التي سبق وأن خطها الكاتب سابقا و يمكن الرجوع إليها).

الذات في مرآة الآخر .. حسابات المحيط و القصر !

بعد حوالي سنة على انطلاقتها، الجميع (الحركة ذاتها و الحليف و حليف الأمس و الخصم و "العدو") تحسس موطأ قدمه في ساحة المـَعْمعَان و مسافته من حرارة الحراك. جميعهم أخذوا نَـفَسا طويلا ليلفظوا تقريرا عن ذواتهم، بل مـن بين هؤلاء من بادر إلى ذلك قبل هذا التاريخ (العدل و الإحسان مثلا). و مؤكدا أن الحركة آخر من فعل ذلك، فلقد كانت بيروقراطيتها عصية على إعادة التوجيه وممارسة النقد الذاتي بالسرعة المطلوبة في علاقتها مع الخارج.

على أي حال، كل رأى وجـهه في مرآة الآخر و رآهم المجتمع جميعا: فلأول مرة يتحدد فرز حقيقي للفاعلين. فعَـهْدنا أن يتحدث الجميع همسا في فضاء منغلق على نفسه، حتى تكاد لا تميز بين ما إذا كان هذا الفاعل أو ذاك يتحدث أم يختنق .. و لا تكاد تُـميز في الخطاب و السلوك بين من يتحدث ليقول ما يعتقده حقيقة و بين من يقول ما يريد الآخرون سماعه منه. الآن بات للجميع أن يتحدث مع منسوب كبير من الأوكسجين، شرط أن ينتقي الكلام و المواقف و يتحمل تبعاتها السياسية. و باختصار، تقلص هامش العبث وانكشفت أكثر ساحة الغموض و قواعد اللعب.

فحتى القصر- و الملك تحديدا- تقلص هامش مناوراته السياسية و ضاقت خياراته، نتيجة: الرجة الثورية في المنطقة و سياقها المغربي، سقوط مشروع "حزب صديق الملك" – حزب الأصالة و المعاصرة - ، الأزمة الاقتصادية و الاجتماعية للبلاد، انكشاف تعثر ما سمي بالانتقال الديمقراطي، و الرغبة الأكيدة لبعض الأحزاب و التنظيمات في الأغلبية و في المعارضة في العيش في جو ديمقراطي حقيقي بعيدا عن التحكم و السلطوية التي تتدخل في كل شيء باسمهم هم، ...

وقد نتصور كيف كان سيبدو الأمر مُحـرجا لو أن حركة 20 فبراير طالبت بفتح ملف "المبادرة الوطنية للتنمية البشرية" للنقاش و التقييم و المحاسبة، و رفعت صوتها الاحتجاجي عاليا على هذا الصعيد، مثلا ! و باختصار، لم يعد مسموحا - شعبيا و مؤسساتيا – أن يبقى التخلف و الفساد و الإستبداد قدَرا مفروضا على شعب يعيش على بعد 14 كيلومترا من القارة الأوروبية و يشهد إنجازاتها الإنمائية و الديمقراطية صباح مساء. في السياق المغربي للربيع العربي، انكشف الجميع أمام الجميع. و باتت السياسة تمارس عارية، انطلاقا من الخطب الرسمية والحزبية، مرورا بالبرامج التلفزية و الكتابات و وصولا إلى الشعارات الإحتجاجية. خلعت السياسة ثوب النفاق السياسي، و شُرع في تسمية الأشياء بمسمياتها. و في الأخير، و بعد أشواط من الصراع و التنافس السياسيين بين الفاعلين، لم تقم لا ثورة و لا تم الحسم، توافقيا، في شروط عبور البلد إلى الديمقراطية .

فأصبح مشروعا و ضروريا الآن التساؤل: ماذا جرى تحديدا؟

حركة 20 فبراير و الدور المفقود !

بتاريخ الخميس 23 فبراير 2012، كتب د. فؤاد بوعلي مقالا عن حركة 20 فبراير ، و مما جاء فيه: « في الذكرى السنوية للحركة قالت صحيفة "الواشنطن بوست" الأمريكية أن حركة 20 فبراير "ضلت طريقها" إلى الثورة، لتحقيق تغيير في المشهد السياسي للبلاد، موضحة أنه بعد مرور عام على انطلاق الحراك الشعبي في المغرب، فإن الحركة التي قادت الاحتجاجات في المغرب يبدو عليها الآن بعد عام من ولادتها أنها ضلت طريقها وإن كانت لا تزال تناضل من أجل الحصول على دور».

هل هذا ضرب من المبالغة أو من المزايدة؟. لا يبدو الأمر كذلك، ما دام حتى مناضلو الحركة باتوا يرددون نفس الأمر وووقفوا على نفس النتيجة ... لا بل، ذهب آخرون إلى أبعد من هذا، عندما أعلنوا نهاية الحركة، من بينهم صحفيون متتبعون (مثلا، توفيق بوعشرين، مدير تحرير جريدة أخبار اليوم) و أكاديميون جادون كذلك (الباحث في الحقل السياسي عبد الرحيم منار أسليمي مثلا) .
لكن، ما الذي دفع إلى هذه النتائج/ الاستنتاجات؟

لا يجادل أحد في أن حركة 20 فبراير أحدثت فـتـقا في جدار السلطوية بالمغرب و أرْخت قبضة النظام – و على رأسه المؤسسة الملكية - على الفضاء العام. فلوقت طويل، أطرت- بـإحكام- طابوهات سياسية كبيرة على النقاشات السياسية و حدث انسداد في الفضاء العام. فكان لها السبق إلى إشعال الديناميت في كل ذلك الركام السياسي المريض: تخلف تنموي و سياسي و خطابي و مع ذلك لم يخجل آل النظام من التشدق بكل أدبيات الحداثة و التنمية البشرية و الديمقراطية و هلم جرا.

لن يدخل الكاتب في تعداد ميكانيكي للمكاسب التي تحققت، فقد كتب غيري، ضمنهم متخصصون، و كتب كاتب السطور أيضا في وقت سابق في الموضوع؛ هنا سيتم تجاوز هذه المقاربة لنطرح سؤالا يبدو أكثر أهمية. هل فعلا ما حققته الحركة حتى الآن أقل بكثير مما كان ممكنا؟. هذا السؤال سيكون مدخلا للإجابة على السؤال المطروح قبل قليل.

سؤال محير و يفتح النقاش على التأويل و حرفة افتراض السيناريوهات بامتياز.

لا أحد تقريبا يُـنكر – و قليل مَن يفعل على أي حال - أن الحركة دخلت، مبكرا، سن اليأس الإبداعي، على الرغم من احـتـفاظها بحيوية نضالية غير مسبوقة. فلقد جرب النظام أكثر من وسيلة و حيلة لإخماد الفتيل الفبرايري أو على الأقل تطويق امتداداته: تارة في اتجاه الحركة و هيئاتها الداعمة، و تارة في اتجاه الهيئات غير الداعمة و المناوئة لها، و ثالثة في اتجاه الشعب، و ذلك عبر مناورات سياسية، اجتماعية و إعلامية عبرت عن علو كعب النظام في التعامل مع الأزمات المتولدة. و مؤكدا، كان العنف في حالات عدة هو لغة الخطاب، لكن بقي دائما في دائرة الاستثناء و ليس القاعدة. بل و تم اللجوء إلى الذاكرة الجماعية الأسطورية والخرافة لحث الناس على أخذ مسافة من الحركة ( حدث أمر في تزنيت مثير للضحك حقيقة: فبالموازاة مع الأنشطة التعبوية التي باشرها الناشطون بتنسيقية الحركة هناك؛ إعدادا للإحتفال بالسنوية الأولى؛ باشر كذلك المخزن تعبئة مقابلة غريبة، حيث روج بين أوساط الناس و المؤسسات - التعليمية و غيرها- أن "الغُـولة" في طريقها إلى المدينة و ستنقض بطبيعة الحال على كل من وُجد خارج بيته يوم الأحد- أي يوم الإحتفال!. و من علامات وفود "الغولة" أنها تهجم على البيوت ليلا خابطة بقوة على أبوابها. و كذلك فعل البلطجيون بعد أن انتشر الخبر كالنار في الهشيم، إذ بادروا ليلة الاحتفال بالذكرى السنوية إلى الضرب، بعنف، على أبواب الناس لترهيبهم!).

و عموما، استطاع النظام في جبهته إقناع حلفائه و خصومه، غير الفبرايريين، بأنه على استعداد للدخول في مسار سياسي جديد يستهدف تحقيق تغيير جذري في بنية الدولة، بينما بقي الخط النضالي في جبهة الحركة رتيبا و بلا مناورات تكتيكية و لا أفق استراتيجي: مسيرات و وقفات محلية روتينية، سرعان ما بدأت تتراجع، رويدا رويدا، من حيث الامتداد الجغرافي، الكم الجماهيري والعمل الميداني على السواء (الرباط، طنجة، القنيطرة، و غيرها)، لا بل توقف نشاط العديد من التنسيقيات المحلية تماما ( الجديدة، مريرت، زاوية الشيخ و غيرها).

نعم، هكذا دخلت الحركة دورة رتابة لم تفكر/لم تسطع الخروج منها. و يتذكر كثيرون كيف أنه قبيل التصويت على مشروع الدستور كنتَ ترى و تسمع الناشطين الفبرايريين يرددون عبارات لا تحتمل اللبس حول ضرورة تجديد تكتيك الحركة و ضخها بأفكار جديدة لمواجهة استراتيجية الدستور المحكمة، لكن و بُـعيد التصويت على هذا الأخير، تَـنكَّر معظم هؤلاء إلى ما بدا البارحة حاجة ملحة. فدخلت الحركة، مجددا، روتين الوقفات و المسيرات، بدون أدنى التفات إلى قياس مدى تناسب وقعها مع أهداف الحركة !

و بقي الحال على ما هو عليه إلى حين وصول الانتخابات التشريعية، فأشعلت الحركة موجة التنديد بالانتخابات و رفضها جملة وتفصيلا؛ بطرح مبررات معقولة إلى حد كبير، و على رأسها غياب هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات (هذا، بغض النظر عن موقف الحركة من الدستور نفسه التي تنظـَّم في إطاره هذه الانتخابات، و التي تطالب كبديل عنه مجلسا تأسيسيا منتخبا لصياغة دستور ديمقراطي و شعبي للبلاد). و بالتأكيد لها الحق في ذلك، كما لغيرها الحق في وجهة نظر مخالفة، لكن المؤسف هو أنها لم تفكر في إبدال تكتيكها أبدا و بقي "السلاح" هو "السلاح": مسيرات تعبوية و وقفات تنديدية (الملاحظ أثناء هذه الأشكال النضالية أنه لم تتم إدانة حزب السلطة "حزب التراكتور" بشكل صريح؛ عبر فضح أصوله و أساليبه في تمييع الحياة الحزبية، و استغلاله موارد الدولة/المواطنين، و دوره في خلخلة الموازين السياسية و تشويه العمل الحزبي !).

و زاد الطين بلة توقيف جماعة العدل و الإحسان نضالها ضمن صفوف الحركة، و الذي لحقته موجة انسحابات في صفوف من سُـموا بـ«المستقلين» ( و لا تخفى أعمال البلطجة التي مارسها بعض هؤلاء ؛ للتشويش على نضال الحركة، لإضعاف جماهيريتها وللطعن في مناضليها. ومنهم من فعل ذلك خدمة للرجعية المخزنية، و أسماء بعضهم معلومة و موثــَّـقة.

قد لا يبالغ أحدهم إذا قال، أنه، فقط، عقب موجة توقيف الأنشطة و الانسحابات المذكورة بادرت الحركة إلى "إبدال استراتيجيتها": أصبحت "الإستراتيجية الجديدة" لدى المكونات السياسية و المدنية المستمرة في النضال- و التي أصبحت هي العمود الفقري للحركة (حزبي النهج و الطليعة و مكونات سياسية و مدنية أخرى)- الحفاظ على استمرارية وجود الحركة أكثر منه البحث في سبل تجاوز أزمة الحركة التعبوية و أزمة تعثر الإنجازات المنتظرة و سبل مواجهة محاولات إجهاض حُـلمها المشروع في تحقيق الحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية للشعب المغربي.

و لم يشفع طول الانتظار و سوء تدبير الموارد الجماهيرية في المراحل الأولى للانطلاقة و عدم الاحترافية في إدارة لعبة الضغط وغياب تحديد أهداف مرحلية واضحة للنضال في ظل تشتت قرار الحركة - و التي انضافت إليها موجة تعليق الأنشطة و الاستقالات المذكورة آنفا – إلى الدفع في اتجاه مراجعة جذرية لمسار الحركة. فكان ما هو جارٍ واقعا في اليومي حاجبا لما هو ممكن في الأفق !

و في الواقع، كثيرا ما كان الملاحِظ أو الناشط يشعر أن الأمور في الحركة تمشي بلا عَـلم هداية و لا قَـبس من نور. لقد مثَّـلت اجتماعات مجلس الدعم الدورية، منذ البداية، مجرد محطات لجرد التطورات و الحشد و إدانة خروقات النظام أكثر منه محطات لصياغة أوراق مرجعية تُـلم كل مُشـتَّـت و تقترح و تقدم رؤية نضالية واضحة يمكن أن توجه النضال و تـزرع الثقة بين مكونات الحركة و توجه عملهم الجماعي نحو أهادف واضحة.

فقد كان لتشبث الحركة بمبدئها / معتقدها التنظيمي «لا قيادة للحركة» نصيبا في تكريس العمل التنظيمي غير المنظم !. و في الواقع، كان هذا المبدأ التنظيمي يترجم حالة من عدم الثقة فيما بين المكونات السياسية من جهة، و فيما بين الناشطين من جهة أخرى، أكثر مما كان يترجم مجرد الرغبة في حفظ استقلالية الحركة: فأن تكون للحركة قيادة موحدة لا يعني بالضرورة أنها ستفقد استقلاليتها آليا. لقد آمنت أغلب التنسيقيات بهذا المبدأ، فكانت بذلك تدوس على أَلِف بَاءِ سوسيولوجية التنظيمات. و هو أن وحدة القيادة من وحدة الهدف، ولا تنظيم بلا قيادة محددة، وطنيا و محليا. لقد نجح المبدأ، بشعبويته الجذابة، في استقطاب كثيرين في البدء، لكن سرعان ما تحول إلى مصدر لإصباغ ضبابية على الحركة، و بالتالي على عدم انسجام خطابها.

و يبدو أن بعض الإيديولوجيات الجذرية داخل الحركة استساغت هذا الوضع، ما دام يضمن لها الحد الأدنى لصعود سفينة المغامرة في اتجاه أهدافها الإيديولوجية بلا التزامات سابقة مقيدة لأفعالها. و لك أن تتأمل في حركة رفضت الحوار مع حكومة عرضت ذلك في أكثر من مناسبة على لسان رئيسها (بغض النظر عن الموقف من الرجل)، كما لو أن كفة ميزان القوى مائلة بما يجعل النظام يركع تحت قدميها. لقد رُفض الحوار، حتى قبل أن يطرح للنقاش داخل بعض التنسيقيات (هنا، سُـمح للبعض أن يتحدث باسم البعض الآخر !). و من الواضح أن المزايدات الإيديولوجية و السياسية تحكمت في موقف الرفض هذا.

يتذكر الجميع يوم عَـرض المناضل المحترم و اليساري الراشد نجييب شوقي رأيه في الموضوع، مبديا قبوله المبدئي بالحوار على أرضية شروط تحددها الحركة، فما أن كان من سهام النقد العدمي إلا أن توجهت إليه من كل حدب و صوب، كما لو أنه نطق بما لا يجب أو تكلم فيما لا يعرف. انهالت عليه سهام النقد و التجريح، و كذلك نصيب من السب و القدح و التخوين، ما دفعه - مرغما و ربما خائفا- إلى التراجع عن وجهة نظره تلك في أكثر من توضيح على حسابه الفايسبوكي. لقد أدان الفبرايريون الإستبداد، ثم فجأة استبد بهم الروتين، ثم تحول هذا الأخير إلى عقم في الخطاب و التحليل و الإبداع.

منذ البدء، كانت الخشية أن تـُهدر اللحظة التاريخية التي طالما انتظرها الشعب المغربي لنيل الديمقراطية و الكرامة (كانت الخشية، دائما، قائمة من خطاب يقف فيه واحد من آل النظام ليقول: فَاتــَكم الڭِـطار !). ففي الواقع، وراء المطالب الأساسية النبيلة والمشروعة للحركة و المجهود النضالي الكبير الذي بـذل، و لازال، من قبل مناضلين شرفاء و مُضحيين بالغالي و النفيس يكمن فكر جماعي لا يقيس المعطيات بعناية و لا يستثمر الفرص المتاحة التي من شأنها أن تفتح أفقا جديدا للنضال و إحراز مكاسب كبرى جديدة. لقد تمكن منطق «كل شيء أو لا شيء» من العقل الجماعي للحركة، لكنه في لحظة وجد أن «كل شيء» ذاك ليس بقريب.

لقد عاش العقل المذكور مزهوا بالحرية الممارسة في شوارع المدن و المراكز القروية كتعبير أقصى لإدانة الوضع القائم. و مع مرور الوقت، اختلط الهدف بالوسيلة: تحولت المسيرات إلى هدف، و تراجع الهدف الحقيقي وراء ضباب المزايدات و التعنت السياسيين. استمر الوضع على هذا الوقع إلى أن استفاق من استفاق على أن الواقع لا يرتفع، مهما تجاهلنا معطياته.

كرد فعل على هذا النفق شبه المسدود الذي اتخذه مسار النضال، و على ضوء التجارب العربية المقارنة، وصلت عدمية بعضهم - و هم قلة لحسن الحظ - إلى تفضيلهم الاستمرار على هذا الحال (لا توقف و لا ثورة إلى يوم غير معلوم)، بدل الانخراط في عملية نقد شاملة لإعادة النظر في المسار المذكور بما يخدم تطلع الشعب المغربي إلى الديمقراطية و الكرامة. و ذلك بدعوى أنه إذا كان من شأن انتصار الثورة – أو حتى الديمقراطية - بالمغرب تسليم مقاليد الحكم للإسلاميين – على غرار مصر، تونس و ليبيا و دول أخرى في الطريق- فالأفضل أن لا تتحقق لا الثورة و لا غيرها، و من ثم ليبقى الحال كما هو إلى إشعار آخر!. لا أقول أن هذا موقف غالب، ولكن على الأقل هو حاضر في لاوعي فئة واسعة من الفبرايريين. و هو يـُـنبأ – إذا ما ساد و غلب - عن انسداد كبير في التجربة المغربية زمن الربيع العربي!

و يبدو اليوم مشروعا و مطلوبا أيضا، و إن كان متأخرا، أن يتساءل المرء بشكل ممزوج بالخشية: أَقَـدَرنا أن لا نعيش ديمقراطية حقيقية و كاملة بعد أن فشلنا في تحقيق ثورة حَـلمنا بها و لو لمجرد الحلم ليس إلا؟

عموما يمكن عرض بعض الحجج التي تدفع إلى القول بوقوع انتكاسة في مسار و تطلعات الحركة من خلال ثلاث مؤشرات رئيسية:

1- ضعف التفاف الجماهير حول الحركة رغم مناخ الحرية النسبية في العمل التي تمتعت به هذه الأخيرة. وأكثر من هذا، كثيرا ما شهدنا مواقف "متطرفة" من قبل الجماهير المفترضَة اتجاه الحركة تَـعتبر أن كل تضامن لهذه الأخيرة معها هو محاولة ركوب على مطالبها الإجتماعية لأغراضها الخاصة. لا بل هناك احتجاجات شعبية عفوية لساكنة بعض الأحياء الهامشية ساوت بين الأحزاب السياسية و حركة 20 فبراير في تحميلهم مسؤولية استمرار التهميش المسلط عليهم (احتجاجات ساكنة حي جمايكا المهمش بالخميسات )، مع أن الحركة رائدة على أكثر من مستوى في دعم نضالات الجماهير الشعبية و مطالبها الإجتماعية تحديدا. هنا يكون النهج الإعلامي للحركة في موقع المساءلة. و عموما، يمكن تفسير سوء الفهم الكبير هذا بفكرتين تبدوان متكاملتين:

الأولى، هي أن رد فعل الناس، ذاك، يعكس تأخر الحركة في فتح ملفات اجتماعية مرتبطة بالحاجات المحلية للساكنة،و
الثانية، تتمثل في إيلاء الحركة الأهمية الأكبر للملف السياسي (الدستور، الملك، البرلمان، الأحزاب، ...) على صعيد الشعارات و العمل التعبوي بدرجة أساسية. فإذا استرجعنا أهم فترات نضال الحركة حرارة وجدناها تتمحور حول محطات سياسية بدرجة أساسية (الخروج الأول تزامنا مع سيادة الجو الثوري في المنطقة العربية، تعديل الدستور، الانتخابات التشريعية، ...)،

2- انسحاب جماعة العدل و الإحسان، هو الآخر كان له تأثير كبير على نفس الصعيد (كما سيتم ذكره بتفصيل)،
3- تحول الحركة من أداة طليعية في نضال الشعب المغربي ضد الفساد و الإستبداد - كحركة مبادرة، مُربكة، منشأة للحدث ومؤثرة في الرأي العام- إلى حركة متفاعلة مع ما يجري هنا و هناك من انتفاضات طلابية أو سكانية. فسرعان ما تحولت أخبار هذه الأحداث و امتداداتها إلى مادة اشتعال لنضال الحركة و بعث روح الحياة فيها، و ليس العكس. بل كثيرا ما علقت عليها هذه الأخيرة آمالا على صعيد إرباك حسابات المخزن و خروج الأمور عن سيطرته و بالتالي تحقيق انتفاضات عارمة من شأنها التحول إلى "ثورة" تهز الأركان و تقلب الوضع رأسا على عقب!

لقد كانت هذه الانتفاضات إعلانا عفويا و ضمنيا عن انفصالها التنظيمي عن حركة 20 فبراير حتى و إن وجد في صفوفها أو اعتقل خلالها بعض الفبرايريين. مثلا، في زاوية الشيخ خرجت انتفاضات عفوية ذات مطالب اجتماعية بقيادة تنظيم سمى نفسه بـ «شباب زاوية الشيخ لمحاربة الفساد». مثال ثاني من مدينة بني بوعياش، حيث تشكلت لجنة شبابية سمت نفسها بـ «اللجنة المؤقتة لمتابعة أحداث بني بوعياش» على أثر الأحداث الأمنية التي وقعت بنفس المدينة مطلع شهر مارس الماضي؛ دورها متابعة التطورات والتفاوض مع السلطات. كما أن التداول و التقرير في البرامج النضالية أثناء الأحداث الأمنية ببني بوعياش كان يتم في حلقيات نقاش عامة في الشارع و ليس في الجموع العامة لحركة 20 فبراير (على سبيل المثال، الحلقية المنظمة زوال الخميس 15 مارس 2012 بالقرب من إعدادية عقبة بن نافع للتداول في الخطوات التي يمكن اللجوء إليها مستقبلا على المستوى الاحتجاجي للتنديد بالتدخل الأمني المذكور). و هناك مدن أخرى تشهد على انتهاء قيادة حركة 20 فبراير للعمل الاحتجاجي الشعبي (إيمزورن، تيزي وسلي، بوكيدارن، الحسيمة وتازة).

و إذا كانت هذه الأشكال تمثل، مؤكدا، امتدادا نضاليا لحركة 20 فبراير (الشق الاجتماعي للنضال)، فإنها في الوقت نفسه تمثل تراجعا – بل و إرباكا - في النقاش السياسي الذي دشنته دينامية الحركة: أصبح الأمر أمر خبز و عيش أكثر منه مسألة حرية و توزيع سلط و تكريس مبدأ المحاسبة و محاكمة الجلادين و المفسدين و ناهبي المال العام.

و كما لا يخفى، فإنه على هذا المستوى الثاني من النضال (الشق الاجتماعي الصرف) - المنفصل تنظيميا عن الحركة إلى حد بعيد- نجد أن النظام يتدخل بعنف أكبر لكن بتوتر أقل. و عندما تفشَل العصا، تصير الجزرة حلا لكل العقد: فَـضَخ المال يكفي هنا لإخماد الإحتجاج منح بقع أرضية أو فرص استثمارية للمعطلين أو تشغيلهم، زيادة عدد الأطر الطبية في مركز صحي أو مستشفى، إخلاء حي للدعارة، غلق خمارة، تسهيلات في استخلاص فواتير الماء و الكهرباء أو تخفيض قيمها، و غيرها من أساليب "تبريد الطرح" و تجميد امتداداته عند تَخْم التَّماس مع المطالب السياسية. بل و في حالات، يكون مجرد الوعد بالاستجابة لمطالب المتظاهرين، في اجتماعات يُجيد رجال السلطة إدارتها، كافيا لإرجاع آلاف أو مئات المتظاهرين لبيوتهم " مُطمئنين ".

لقد بدت حركة 20 فبراير مكشوفة أمام مفارقات متعددة، يمكن ذكر من بينها التالي:

- من المفارقات الغريبة في مسار نضال حركة 20 فبراير، نجد أن ارتفاع سقف الشعارات كثيرا ما سار بشكل طَردي مع قوة الحركة، بل و تزامن مع أوج احتدام النقاش حول هذا السقف في حد ذاته. لم ترفع الحركة مثلا شعار إسقاط النظام في عز الربيع العربي، و لا حين كانت أقوى جماهيريا، بل وقع عكس ذلك تماما. و اللافت أيضا على هذا الصعيد، أن هكذا شعار/مطلب لم يكن وليد إجماع أو اتفاق مسبق داخل التنسيقيات المحلية التي أعلنته، بل جاء نتيجة مبادرات أفراد (حدث ذلك، على سبيل المثال، في مدن طنجة، الدار البيضاء، و الخميسات). لا شك في إخلاص و شجاعة أصحاب تلك المبادرات، ولكنهم كانوا بالتأكيد على خطأ، و قد دفعهم إلى ذلك إما أجواء الحماس النضالي أو اليأس من ثورة تُـطل برأسها دون أن تكشف عن نفسها كاملة. و لعل أكبر دليل على خطأ هذا التوجه، هو أن المسيرات و الأشكال النضالية الجماهيرية للتنسيقيات التي رفع فيها هذا الشعار/المطلب يمكن عدها على رؤوس أصابع اليد الواحدة!
- مفارقة ثانية: لقد دعم ناشطون من الحركة بعض النزعات الراديكالية (مثلا، المطالبة باستقلال شمال البلاد)، كما أنهم، من شدة احتفائهم بالثورة، رفعوا أعلاما لدولة ما بعد الثورة، وقد حصل هذا قبل أخذ النضال الجماهيري شكل الثورة العارمة المهددة لاستقرار النظام. لا بل أكثر من ذلك، فقد شرع بعضهم في ترديد – عبر الشبكات الافتراضية – ما أسماه النشيد الوطني الجديد للبلاد، و ووقع حظر – شبه تام- على وجود العلم الوطني في الأشكال الإحتجاجية للحركة. هذا في الوقت الذي نجد أن جميع الثورات العربية- و باستثناء ليبيا- رفعت الأعلام و الشعارات الوطنية و احتفت بها باعتبارها رمزا للشعب لا للدولة. لقد استغرق بعض النشطاء الكثير من الجهد في حرصهم على الشكليات و تناسوا الجوهريات.

و هكذا، يبدو أن جيل التكنولوجيا – و خاصة المواقع الإجتماعية الافتراضية – كانوا أوائل ضحايا رسائلها الحماسية بإفراط. فبالقدر الذي مكنت هذه القنوات الافتراضية الناشطين و المتعاطفين مع الحركة من ترويج أفكارهم الثورية والراديكالية ومن كشف ما تخفيه القنوات الإعلامية الرسمية من تظاهرات و قمع، بالقدر نفسه الذي ضخَّمت الذات والأحداث معا في عيونهم و عقولهم!

- مفارقة ثالثة: في الوقت الذي تؤكد الحركة على بعدها الوطني؛ كحركة مدنية احتجاجية غايتها، عبر نضال وطني عام، تحقيق تغيير سياسي جذري في البلاد؛ نجدها قد عاكست/أهملت كل المبادرات التي ابتغت إبداع أشكال نضالية مركزية يكون من شأنها تكريس الطابع الوطني العام للحركة و لمطالبها (مثلا، عن طريق تنظيم مسيرة وطنية في إحدى المدن الكبرى– كما سبق أن اقترحها المناضل المحترم و الإسلامي الراشد سعيد بنجبلي، و الذي تعرض لحملة تطهير مبكرة! - أو عن طريق تنظيم مسيرات جهوية - أربع مسيرات جهوية مثلا كما اقترح أحد الناشطين من الدار البيضاء)!

- مفارقة رابعة: على صعيد ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، يلاحظ، مثلا، أنه في الوقت الذي ركَّـز فيه، و بشدة، مناضلو الحركة (تنسيقية الرباط على وجه التحديد) في أوائل انطلاق ديناميتها على المطالبة بإغلاق معتقل تمارة السري ومحاسبة المسؤولين على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي تُـرتكب بداخله، نجدهم لا يحركون ساكنا في اتجاه دعم مبادرة أحد الفرق البرلمانية المعارضة آنذاك (فريق العدالة و التنمية) إلى تقديم مشروع تشكيل لجنة تقصي حقائق برلمانية في الموضوع. لقد كان الوقوف من أجل مطالب عامة/مجردة شكلا عاديا و روتينيا لكن لا شيء حصل في هذه النازلة من أجل دعم مبادرة شجاعة جاءت في الوقت المناسب و تصب في نفس الأهداف التي أعلنها هؤلاء المناضلون أنفسهم، بل وتعرضوا بسببها إلى تدخل عنيف لقوى الأمن فيما بات يعرف بأحداث نزهة تمارة بتاريخ 15 ماي 2011. هنا يُـجهِض المناضل أحلامه بيده عندما لا يستثمر جميع الأوراق المتاحة أمامه لبلوغ مراده. و جدير بالذكر، أن هذا الموقف جاء مجاراة ومراعاة لحسابات سياسية و إيديولوجية ضيقة لا غير. و النتيجة، أُجهض مشروع اللجنة من قبل حلفاء الرجعية المخزنية وقوى سياسية أخرى داخل قبة البرلمان، و أُجهض معه أمل الناشطين الفبرايريين في كشف الحقيقة و محاسبة الجلادين. وبذلك توقفت معركة سياسية كان سيكون لها الأثر الكبير في تاريخ البلد الحقوقي و النضالي. هل هكذا تدار المعارك السياسية.؟!

و نفس الشيء يمكن قوله عن "معركة أجر غيريتس" – مدرب الفريق الوطني- التي انحصرت التعبئة النضالية من أجلها في فئات قليلة – أغلبها إعلامية. لم تتعاط الحركة بالمستوى المطلوب من أجل تحويل القضية إلى قضية تبذير للمال العام، من شأنها خلخلة العديد من الخروقات داخل جامعة كرة القدم و من تم المساهمة في توقيف الكثير من السلوكات العبثية و العفِنة التي تمارس باسم الشعب، مع أنها تبذير غير محدود لثرواته.

و نفس الشيء أيضا يمكن قوله بخصوص تقارير المجلس الأعلى للحسابات، إذ نذكر جميعا إغفال الحركة القيام بدورها في "تسخين" النقاش حول تقرير المجلس الذي نشر سنة 2011 (التقرير السنوي لسنة 2008)، و في الدفع بتفعيل ما جاء فيه عبر مختلف الأشكال النضالية الممكنة.

(يتبع: في الجزء الثاني سيتم الحديث عن: علاقة كل من جماعة العدل و الإحسان و اليسار الجذري المغربي بدينامية حركة 20 فبراير)


فؤاد بلحسن - belahcenfouad@gmail.com

Facebook Twitter YOUTUBE Stumbleupon Favorites

 
رياضة | صوت و صورة | مغربنا | هنا الخميسات | تابعنا على الفايسبوك | تطوير : الخميسات سيتي
الصفحة الرئيسية | الفهرس | عن الموقع | للإشهار | تنويـه
Khemisset City | Khemisset actualités | Ville de khemisset | مدينة الخميسات | أخبار الخميسات | إقليم الخميسات