الخميس، 3 ماي 2012

العاملات في الحمامات المغربية: غياب شروط العمل الكريم

تعد الحمامات جزءا أساسيا من الحياة المغربية، خاصة في المدن العريقة، لكن وضع العاملات في هذه الحمامات العمومية صعب، نظرا لغياب شروط العمل الكريم والضمانات الاجتماعية.DW عربية تنقل لكم صورا من داخل الحمام المغربي.

إنها من المرات القليلة في حياة الصحفي التي يضطر فيها لخلع ملابسه للقيام بروبورتاج، تلك التي هي داخل حمام مغربي. "الدخول بكاميرات تصوير أو الهواتف النقالة المتوفرة على كاميرات، يعتبر خرقا للقانون، ومن يقوم بفعل مشابه يُعرض نفسه لمشاكل مع الشرطة"، هكذا كتب على ورقة بيضاء معلقة في بهو الاستقبال في الحمام، ورقة علقت مباشرة تحت صورة العاهل المغربي محمد السادس.

يخصص هذا البهو لخلع الملابس وتسليمها إلى السيدة المكلفة بالاستقبال، والتي لها أدوار أخرى كاستلام التذاكر، التي تباع خارج الحمام. يقارب ثمن تذكرة الحمام العمومي في المغرب اليورو ونصف اليورو للكبار، ويورو بالنسبة للصغار. كما تقوم السيدة في الاستقبال ببيع المشروبات الغازية أو الماء للنساء اللواتي خرجن للتو من حمام البخار الساخن، إضافة إلى بعض لوازم الحمام المغربي كالحناء أو الصابون " البلدي".

يقع حمام "مارسا" في قلب العاصمة الرباط، غير بعيد عن سوقها الشعبي في "باب الأحد". ولأن العاصمة المغربية لا تتوفر على الكثير من الحمامات العامة كباقي المدن المغربية، فإن هذا الحمام يعتبر من الحمامات الرئيسية في العاصمة، حيث ينتمي زواره إلى طبقات اجتماعية مختلفة، ففي هذا الفضاء من الممكن أن تلتقي الوزيرة و الممثلة و الطبيبة والعاملة…" يأتينا زبائن حتى من مدن مجاورة كمدينة سلا ومدينة تمارة" تقول إحدى العاملات في الحمام.

يوم عمل شاق

يتوفر الحمام على حوالي 30 عاملة، تجدهن جالسات في ركن من بهو الاستقبال، مرتديات وزرات زرقاء، وينتظرن أن تختارهن إحدى الزبونات، لمرافقتها في الحمام. في هذا الفضاء ونظرا لتشابه أسماء العاملات وتكرارها، كاسم فاطمة وخديجة وغيرها، تم إعطاء ألقاب لكل عاملة استنادا إلى المنطقة التي تنحدر منها، فصارت لهن أسماء من قبيل:المكناسية، المراكشية، العبدية... حتى انمحت أسماؤهن الأصلية.

يتلخص دور العاملة في الحمام، والتي تسمى باللهجة المغربية "الطِيّابة" أو "الكَسّالة" في جلب الماء للزبونة، فلا تحتاج هذه الأخيرة للقيام كل مرة لملئ أسطل الماء من الصهريج. كما تقوم "الطيابة" بتدليك السيدة أو ما يسمى "الحك"، وهي عملية تستخدم فيها ليفة مغربية خشنة، تزيل الجلد الميت والأوساخ.

وتحتاج هذه العملية إلى مجهود عضلي بالإضافة إلى قدرة على احتمال الحرارة المتواصلة، خاصة في القاعة الساخنة. فالحمام المغربي ينقسم إلى ثلاث قاعات، تكون الأولى باردة وهي القريبة من المدخل، ثم تأتي القاعة الثانية وهي المتوسطة الحرارة، ثم الأخيرة والتي تكون شديدة الحرارة وممتلئة بالبخار.

فاطمة هي امرأة تقترب من الستين، تشتغل في هذا الحمام منذ أكثر من 13 سنة، ولها أكثر من 20 سنة في هذا المجال. تقول فاطمة عن نظام عملها اليومي:" نحن" الطِيّابات" نشتغل يوما ونرتاح اليوم الذي بعده، يبدأ يوم العمل في الساعة السادسة صباحا أي وقت فتح أبواب الحمام، ونبقى حتى الساعة العاشرة مساء". لا يتوقف عمل " الطيّابة" على الاهتمام بالزبونات فقط، ولكنها مسؤولة أيضا عن نظافة الحمام، التي ليست لها أوقات معينة، وإنما هي عملية مستمرة على مدار الساعة، ولكل واحدة من هؤلاء العاملات نصيبها من هذه العملية.

لا تأمين ولا ضمانات اجتماعية

تبني الزبونة علاقة طيبة مع إحدى العاملات في الحمام، التي ترافقها في كل مرة تأتي فيها إلى الحمام. فما تعطيه الزبونات إلى هؤلاء العاملات من مال، هو ما يُكَوّن راتبهن الشهري، فهن لا يتقاضين أجرا آخرا غيره. لكن قد تفاجأ إحدى الزبونات في زيارة تالية أن "الطيابة" التي اعتادت مصاحبتها قد ماتت، خاصة ببعض الأمراض الناتجة عن الاشتغال الدائم في حرارة مرتفعة، كالأمراض المرتبطة بالمرارة.

كما أن هؤلاء العاملات لا يتوفرن على تأمين صحي ولا على تقاعد. تقول نعيمة وهي عاملة في الحمام، في الثلاثين من عمرها وأم لطفلتين:" لم أعد أستطيع من الناحية الصحية أن أشتغل في الحمام، لذلك أحاول أن أجد عملا كخادمة في أحد البيوت".

فاطمة عندما سألناها عن رؤيتها للمستقبل، إذا أصبحت غير قادرة على الاشتغال قالت:"ليس لي تقاعد، لكن الله كبير لا ينسى أحدا، كما أني أعول على أولادي الذين لن يتخلوا عني بالتأكيد". هكذا تكلمت فاطمة برضا، وهي التي ترملت حديثا. خلافا للثمن المدفوع للدخول إلى الحمام، ليس هناك مبلغ محدد يمكن دفعه للعاملة في الحمام، فكل زبونة تدفع الثمن التي تقيمه بنفسها وتراه مناسبا. لكن غالبا ما يترواح الثمن المدفوع لهؤلاء" الطيبات" بين 3 و 10 يورو.

حمامات فوق العادة

في الآونة الأخيرة ، ظهرت في الرباط حمامات عامة راقية ليست في متناول الجميع، نظرا لثمنها المرتفع مقارنة بمستوى المعيشة في المغرب، حيث يتراوح ثمنها بين العشرين والأربعين يورو. وتوجد هذه الحمامات في الأحياء الراقية كحي السويسي وحي الرياض. وهي حمامات تعتبر جزءا من نوادي كبرى، تعرف إقبال الأمراء والأميرات ورجال الدولة والنجوم...

يحتاج الدخول إلى هذا النوع من الحمامات إلى موعد مسبق، كما لا يملك الزبون حرية بقاء المدة التي يريدها كما هو الحال في الحمامات الشعبية، وإنما تحدد له ساعة فقط. في هذا النوع من الحمامات تكون وضعية "الطيّابات" أفضل بكثير من زميلاتهن في الحمامات الشعبية، فهن يتقاضين أجرا من المشرفين على الحمام، إضافة إلى الإكراميات التي يتلقينها من الزبونات، اللواتي يكن في الغالب زبونات فوق العادة.

دوتش فيلا : ريم نجمي- الرباط مراجعة:هبة الله إسماعيل


الخميس، 29 مارس 2012

الرماني ... مدينة تموت ببطء في انتظار نجدة اسمها التنمية

تنذر أولى الزخات المطرية في الموسم الفلاحي سكان الرماني بخطر الأودية الأربعة التي تخترق مدينتهم وتهدد بغمر منازلهم بالسيول الجارفة حين تهطل الأمطار بغزارة. ويعتبر سكان الرماني حاضرتهم «ضحية» لموقعها في سفوح هضبات متعددة. لا تبعد هذه المدينة عن العاصمة الرباط سوى بـ80 كيلومترا، ولكن سكانها يضطرون إلى قطع 160 كيلومترا من أجل استخراج بطاقة التعريف الوطنية. توجد في المدينة ثانوية وحيدة ومستشفى وحيد يقول فاعلون مدنيون إن خدماته «دون المستوى». في أحواز المدينة، لا شيء يعلو على الأنشطة الفلاحية، لكنْ قليل من سكان الدواوير المحيطة بالمدينة يحصلون على مدخول يجعلهم فوق عتبة الفقر.

يضع سكان مدينة الرماني أيديهم على قلوبهم بمجرد هطول أولى الزخات المطرية مع كل موسم شتاء. تشكل هذه الزخّات «إنذارا» بقرب ضرب موعد جديد مع فيضانات الأودية الأربعة التي تخترق المدينة وتشكل تهديدا حقيقيا للأحياء السكنية ولشوارع المدينة ومرافقها الأساسية. وليس سكان المدينة وحدهم من يستشعرون الخطر المحدق بهم مع إطلالة فصل الشتاء. سائق سيارة أجرة في منطقة «مرشوش»، التي تبعد عن الرماني، بنحو 10 كيلومترات، أكد أنه لم يستطع تقبل العيش في هذه المدينة بسبب الخوف من الفيضانات: «لا يمكن تصور عواقب الفيضانات إذا كانت الأمطار قوية»، يقول هذا السائق، الذي فضل الإقامة في دوار غير بعيد عن «مرشوش»، أو «مغشوش»، كما ينطقها سكان المنطقة، على السكن في الرماني.

ولا تتمثل «الكارثة الكبرى» بالنسبة إلى هذا السائق في فيضانات الأودية التي تخترق المدينة فقط، بل تشمل أيضا «خوفا مضمرا من حدوث خطب ما في السد الأكبر في المنطقة«. وينتاب الخوف ذاته سكان المدينة، وقد عبّر بعض من التقت بهم «المساء» عن هذا الخوف، وتوقعوا البعض أن تتحول المدينة إلى «أطلال» إذا وقع حادث من هذا القبيل..

ضحية الموقع

تشكل أربعة أودية مصدر تهديد للرماني: «سبيدة» و«لحراير» و«هنتاتة» و«عريض» توقف فيضاناتها نبض الحياة في شرايين المدينة وتحول كثيرا من أجزائها إلى مستنقعات.. كثيرا ما تغمر السيول منازل الأسر وتوقف الدراسة في بعض المؤسسات التعليمية، لاسيما تلك التي شُيِّدت غيرَ بعيد عن مجرى الأودية الأربعة سالفة الذكر.

يجعل الموقع الجغرافي للرماني السيول تغمر بسهولة بالغة المنازل في عدد من أحياء المدينة، التي توجد في موقع «تحاصره» الهضبات من كل جانب. يبدو ذلك جليا من جميع الطرق المؤدية إليها. فسواء ولجت المدنة من ناحية الرباط أو من الشرق، عن طريق واد زم، أو من الجنوب، عبر طريق الدار البيضاء، فإن السيارات «تتهادى» فوق الهضبات إلى أن تبلغ سفحها في قلب مدينة الرماني، وهذا ما يفسر السهولة التي تغمر بها مياه الفيضانات الأحياء السكنية في الرماني والتقاء الأودية الأربعة في هذه المدينة. وتبدو الرماني من قمم الهضبات المحيطة بها مثل إقامات سكنية في قعر منجم مفتوح.

كثيرا ما يعود تلاميذ ثانوية عبد الرحمن زكي أدراجهم إلى ديارهم في فترات متفرقة من فصل الشتاء، إذ غالبا ما تغمر مياه الفيضانات هذه الثانوية التأهيلية الوحيدة في المدينة، التي تستقبل أيضا تلاميذ من المراكز القروية والدواوير المجاورة للرماني، وتجعل ولوجا مستحيلا. ويتذكر أحد المقاولين الشباب في المنطقة كيف غمرت مياه وادي «لحارير»، ذات يوم شتاء، فضاء هذه المؤسسة التعليمية وملأت عددا من أقسامها المتواجدة في الطابق الأرضي بالسيول والوحل.

ولا تستغرب ساكنة حي «الكورس»، أيضا، أن ينتفض وادي «هنتاتة» ويغمر ديارهم بالسيول ويحوّل حياتهم إلى جحيم أثناء الفيضانات، قبل أن يتذوقوا معاناة إعادة الأمور إلى سابق عهدها وإفراغ المنازل المغمورة بالسيول من الوحل. وانتقد أحد أبناء المدينة السماح بالبناء في مناطق لا تسمح طبيعة تربتها بإقامة منشآت عقارية، واستدل على ذلك بفضاء كان يستغل في عهد الاستعمار وفي السنوات الأولى من الاستقلال، التي تواصل فيها تواجد المُعمّرين في الرماني، كحلبة لإقامة مسابقات في رياضة سباق الخيل، يحتضن في الوقت الراهن أحد الأحياء الراقية في الرماني، وشيدت فيه مرافق إدارية عمومية.

وكان سكان الرماني، في مناسبات انتخابية عديدة، قد تلقوا وعودا بوضع حد لخطر الفيضانات الذي يهدد حياتهم طيلة فصول الشتاء. لكن لا شيء تحقق من هذه الوعود على حد قول كثير من التقت بهم «المساء» بعين المكان. وفي المقابل، أبدى آخرون، ضمنهم فاعلون جمعويون، تفاؤلا حذرا بإمكانية أن تحُدّ البنيات التحتية التي أنجزت في الآونة الأخيرة في مركز المدينة من خطر الفيضانات وتجعل مياه الأودية تنساب بسهولة في المجاري المخصصة لها دون أن تلحق أضرارا كبيرا بالأحياء السكينة وبالمرافق الأساسية.

وتتضمن هذه المشاريع توسعة مجاري الأودية الأربعة على نحو يجعلها قادرة على استيعاب مياهها حين يبلغ صبيبها ذروته إثر التساقطات المطرية القوية. ويتم إنجاز هذه البنيات التحتية «المضادة للفيضانات» بمقتضى اتفاقية شراكة تم توقيعها في شهر فبراير الماضي بين المجلس الإقليمي للخميسات، الذي تتبع له دائرة الرماني إداريا، ووكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية، إضافة إلى الجماعة الحضرية لمدينة الرماني.

وتركز هذه المشاريع بالأساس على واديي «عريض» و«هنتاتة»، اللذين يشكلان على مركز المدينة خطورة تفوق خطورة الواديين الآخرين سالفي الذكر. وعلى هذا الأساس، تم رصد ميزانية تناهز مليارا و550 مليون سنتيم لإنجاز هذه البنيات التحتية الواقية من الفيضانات. ودعمت وكالة الحوض المائي لأبي رقراق والشاوية ميزانية المشروع بمبلغ وصل إلى مليار و100 مليون سنتيم، في حين كانت أضعف المساهمات من نصيب المجلس الإقليمي للخميسات، بنحو 50 مليون سنتيم. أما المجلس البلدي للرماني فدعم المشروع بـ400 مليون سنتيم، مع الالتزام بالتنسيق بين باقي الهيآت المعنية بالمشروع، خصوصا المستفيدين من شبكات الكهرباء والماء الصالح للشرب، بينما تكفـّلت بلدية الرماني كذلك بصيانة هذه البنيات التحتية بعد إتمام عملية إنجازها.

أشباه طرق

ليست الفيضانات العاملَ السلبيّ الوحيد الذي يضرب التنمية في الرماني في الصميم بسب تموقع هذه المدينة أسفل هضبات عديدة. فالتضاريس المحيطة بهذه المدينة تجعل الوصول إليها صعبا من شتى الطرق المؤدية إليها. تتخلل هذه الطرق منعرجات، لا يخلو بعضها من خطورة، على طول عشرات الكيلومترات. «تضيق» الطريق الرابطة بين العاصمة الرباط والرماني، عبر «البراشوة»، إلى حد الاختناق في النقطة الكليومترية 38. تتموقع الطريق في هذا المحور في قمة جبل يطل على منطقة «اكريفلة» وتتخللها انهيارات عديدة من الجوانب، جعلت السلطات المعنية تحجب حركة السير على السير في أحد اتجاهيها.

«ظلت هذه الطريق على هذه الحال منذ فصل الشتاء الماضي»، يقول سائق سيارة أجرة تربط العاصمة بالرماني. أبدى هذا السائق نفسه، في أول الأمر، انزعاجا كبيرا وتذمرا من عدم قيام السلطات المختصة بإصلاح هذا المقطع الطرقي، لكنه استدرك وذكـّر بحالات مشابهة بقيت في سنوات خلت على حالها مدة طويلة، قبل أن يتم إصلاحها، مرجعا سبب ذلك إلى صعوبة ترميم الأضرار التي تلحق بالطرق في هذه المنطقة الوعرة تضاريسُها.

وفي انتظار إصلاح هذه الانهيارات، يؤكد السائق ذاته أن السياقة في هذا المحور الطرقي لا تكتسي طابع الخطورة نهارا، وإنما يكون تهديدها للسلامة الطرقية كبيرا عندما يغطي الضباب قمة هذا الجبل، أو ليلا بالنسبة إلى الذين لم يخبروا هذه الطريق أو لا يعلمون بوجود هذا «التقليص» في عرضها من اتجاهين إلى اتجاه واحد فقط.

ورغم هذه «النقط السوداء» التي تتخلل هذا المقطع الطرقي، فإن السائقين المهنيين يفضلون المرور عبره على مقطع آخر يربط الرماني بالعاصمة الرباط، وكذلك «عين العودة» في ضواحي مدينة تمارة، عبر «مرشوش«. فالطريق المارة عبر «مغشوش»، كما ينطقها سكان المنطقة، والتي تبعد عن مركز الرماني بـ10 كيلومترات، أسوأ بكثير من تلك التي تجتاز «البراشوة«. عرض الطريق الأولى أقل من الثانية، كما أن حالتها أسوأ، وإن كانت أقل منها منعرجات.

ولا تختلف حالة الطرق الأخرى التي تربط الرماني ببقية المدن كثيرا: حفر هنا وانجرافات وانهيارات هناك. تتخلل الطريقَ التي تربط هذه المدينة بالعاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، عبر المحمدية، على طول 122 كيلومترا، بدورها، حفر كثيرة وتهددها انجرافات في العديد من المقاطع، وليست الطريق الرابطة بين الرماني وواد زم أفضل حالا من المحاور الطرقية سالفة الذكر.

غير أن ثمة عاملا آخر يكاد يكون مشتركا بين كل الطرق المؤدية إلى الرماني، يتمثل في ارتفاع فرص إمكانية إغلاقها في وجه المرور أيام التساقطات المطرية، خصوصا إذا كانت هذه الأخيرة تهطل بغزارة. وكثيرا ما تنجرف التربة وتهوي الحجارة من أعلى الجبال، لتلحق أضرارا كبيرة بالطرق، وقد تتسبب أحيانا كثيرة في «شل» حركة المرور فيها.

حد أدنى من الخدمات

«يطالب سكان الرماني -المدينة والدواوير المحيطة بها بتوفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية»، يقول أحد الفاعلين الجمعويين المحليين الذين التقت بهم «المساء». غير أن المتحدث نفسه أكد أن الساكنة هنا لا تجرؤ على التكتل من أجل المطالبة بحقوقها الأساسية. وذكر في هذا السياق كيف فشل فاعلون مدنيون محليون في تنظيم وقفة احتجاجية ضد حالة استغلال النفوذ والشطط في استعمال السلطة من قبل مسؤول محلي.

كان إجماع ساكنة الرماني، الذين تم التحدث إليهم على مدى يوميين من إنجاز التحقيق، كبيرا على ضعف الخدمات الأساسية المتوفرة في المدينة. تصدّرَ تجديد شبكة الصرف الصحي اهتمامات بعضهم، لأنها تمثل عاملا حاسما في مواجهة السيول الجارفة لفيضانات المياه الأربعة التي تخترق مدينتهم كل فصل شتاء، في حين منح آخرون أولويته للخدمات الصحية والتربوية والتكوينية.

ترتبط جل الأحياء السكنية في المدينة بشبكة الكهرباء والماء الصالح للشرب، لكن شبكة الصرف الصحي في عدد من أحياء الرماني، لاسيما في الأحياء القديمة، كـ«الفيلاج»، أقدم أحياء المدينة، و«الأمل»، تحتاج إلى تجديد. وفي هذا السياق، يتساءل مقاول محلي عن مصير مشروع كانت السلطات المحلية قد أعدّته في وقت سابق من أجل الشروع في تجديد شبكة الصرف الصحي في الأحياء القديمة. ويتذكر المقاول نفسه الحديث الذي دار يومها عن مصادر تمويل هذا المشروع وكيف تم الاهتداء، في الأخير، إلى مسطرة طلب قرض من صندوق التجهيز الجماعي.

وتعاني مدينة الرماني، ومعها الدائرة كلها، من ضعف في المرافق التعليمية والتكوينية. وتوصد الثانوية التأهيلية الوحيدة بالمدينة، التي تستقبل كذلك تلاميذ من ثانويات إعدادية خارج المجال الحضري للرماني، أبوابها في وجه التلباميذ أياما كثيرة في فصل الشتاء حين تغمرها مياه الفيضانات وتملأ أقسام الأرضية وحْلا وطِيناً.

أما التلاميذ الذين لا يحالفهم الحظ في أن يكملوا تعليمهم الثانوي بنجاح، فيجدون أنفسهم وجها لوجه مع الشارع. يتجه كثير منهم نحو الأنشطة الفلاحية، على غرار أغلبية سكان المنطقة، أو يلتحقون بأقرب المراكز الحضرية الكبرى، كالرباط والدار البيضاء، بحثا عن عمل. ويستغرب جمال مدراوي، الفاعل الجمعوي، عدم وجود مركز للتكوين المهني في هذه الدائرة، كمؤسسة يمكنها أن تستوعب كثيرا من الشباب الذين يغادرون فصول الدراسة في مستوى الثانوي الإعدادي أو الثانوي التأهيلي وتمنحهم تكوينا أوليا يرفع حظوظهم في ولوج سوق الشغل. ويتذكر مدراوي كيف أقدمت السلطات المختصة، قبل سنوات، على إغلاق أبواب مركز التكوين المهني في الرماني وعلى نقل تجهيزاته وطاقمه إلى مدينة الخميسات، وبات شباب الرماني مطالبين بقطع المسافة الرابطة بين المدينتين، والبالغة 80 كيلومترا، من أجل الالتحاق بأحد مراكز التكوين المهني. التوجه نحو الرباط هو الاختيار الثاني المتاح أمامهم، غير أن العاصمة تبعد عنهم بمسافة مماثلة، ولهذا لا يبقى أمام كثير منهم خيار عدا التوجه نحو مدينة بنسليمان. كما عبّر فلاحون وعمال في القطاع الفلاحي، التقت بهم «المساء» في دواوير مجاورة لمنطقة «مرشوش»، عن رغبتهم في تمكينهم من تكوين خاص ينمّي كفاءاتهم ويرفع حظوظهم في الحصول على أكبر مردوية ممكنة.

وانتقدت فعاليات مدنية محلية، كذلك، ضعف الخدمات المُقدَّمة من قبل المستشفى المحلي في المدينة. وتساءلت الفعاليات ذاتها عن الأسباب التي تجعل المستشفى يحيل حالات ولادة كثيرة على مستشفيات العاصمة الرباط، بذريعة «خطورة الحالة»، ثم تتم الولادة في مستشفيات العاصمة بسهولة ودون مشاكل.

أكثر من ذلك، قال فاعل مدني آخر إنه عاين قسم الولادة في حالة متردية في شهر رمضان الماضي. وأكد الفاعل المدني، الذي التمس عدم ذكر اسمه، خوفا من تبعات أقواله، أنه وجد أمهات وضعن أولادهن حديثا، ضمنهن زوجته، يرضعن مواليدهن في الظلام الدامس ليلا.. وفي ظهيرة اليوم التالي، اكتشف أن نوافذ قسم الولاة لا تغلق عل الإطلاق، وإنما تم تثبيتها على مستوى معين لا يمكن معه إحكام إغلاقها أو فتحها بشكل كامل.

كما أن الشكل الذي اتخذته نوافذ الولادة في هذا القسم، الذي يعتبر الأكثر حيوية بالنسبة إلى ساكنة المنطقة، يجعل الواضعات حملهن في فصل الشتاء عرضة للبرد القارس.. أما اللواتي يضعن حملهن في أيام الحر والقيظ فيجدن أنفسهن تحت رحمة أشعة الشمس، المتسللة من المنافذ المفتوحة نهارا، وعرضة للفحات البرد القارس ليلا.

محنة البطاقة الوطنية

لا تتوقف معاناة قاطني الرماني والدواوير المحيطة بها عند ضعف البنيات التحتية التربوية وغياب مؤسسات التكوين المهني، بل تمتد لتشمل معاناة من نوع خاص لساكنة لا تبعد عن العاصمة الإدارية للمملكة سوى بـ80 كيلومترا. سكان هذه المنطقة مجبرون على قطع عشرات الكيلومترات في اتجاه مدينة الخميسات من أجل الحصول على بعض الوثائق الأساسية، وفي مقدمتها بطاقة التعريف الوطنية.
وأكد كثيرون أن استخراج بطاقة التعريف الوطنية بات «كابوسا» بالنسبة إلى أسر دائرة الرماني كلها، خصوصا الواقعة في شرق وجنوب المدينة. تتطلب هذه الوثيقة القيام بـ«رحلات مكوكية» في طرق مهترئة، وأحيانا كثيرة في سيارات «الخطافة»، التي تفتقر إلى شروط السلامة الطرقية. ويعتبر سكان الدواوير الأسر المقيمة في الرماني «محظوظة»، لأن بإمكانها أن تستخلص شهادة السكنى من مركز الدرك، الكائن بالطريق المؤدية إلى «مرشوش». بناية قديمة تنتمي إلى الحقبة الاستعمارية، بنيت في منحدر وتقابلها بنايات حديثة غير متناسقة.

تبتدئ رحلة استخراج بطاقة التعريف الوطنية من مركز الرماني. وتزداد المعاناة حسب المسافة التي تفصل الراغب في استخراج هذه البطاقة عن قلب عاصمة الدائرة كلها. تكون البداية أولا باستخراج شهادة السكنى من مركز الدرك في الرماني. إذا حالفهم الحظ، يكون يوم واحد كافيا لهذا الإجراء. غير أن هذا الأمر لا يتأتى، وفق فاعلين مدنيين محليين، إلا في حالات قليلة.

تبدأ محنة بطاقة التعريف الوطنية بعد استخراج شهادة السكنى. بعدها، يكون الراغب في الحصول على هذه البطاقة لأول مرة أو تجديد القديمة بأخرى بيومترية، مضطرا إلى التنقل إلى مدينة الخميسات. وتشتدّ المحنة كلما ازداد بُعْد إقامة المواطن عن مدينة الرماني، إذ لا يكفي في هذه الحالة الاستيقاظ مبكرا والتوجه في الساعات الأولى من الصباح نحو مدينة الخميسات، بل يكون لزاما كذلك ضرب موعد مع صاحب سيارة أجرة من النوع الكبير، أو حتى مع «خطاف»، لضمان الوصول إلى الخميسات باكرا، والهدف ضمان موقع متقدم في صف الراغبين في إيداع ملفاتهم لدى الإدارة المكلفة بإعداد البطائق الوطنية، لأن أي تأخير قد يُصعّب مأمورية إتمام الإجراءات القانونية الضرورية في هذه الحالة في يوم واحد. وإذا تطلب الأمر يوما آخر، فإن «فاتورة» استخراج هذه الوثيقة الأساسية قد تبلغ مبلغا قياسيا. ولهذه الأسباب، لا يرى سكان الدواوير المحيطة بالرماني حرجا في التعبير عن «غبطتهم» لسكان هذه المدينة الذين يوفر عليهم قربهم من مركز الدرك في مدينتهم مشقة استخراج شهادة السكنى.

غير أن سكان الرماني -المدينة يشتكون، بدورهم، من مشقة قطع 80 كيلومترا، أي 160 كيلومترا ذهابا وإيابا، في اتجاه مدينة الخميسات من أجل استخراج بطاقة التعريف الوطنية. كما أنهم يكونون مجبرين على التنقل نحو مركز الإقليم في أولى ساعات الصباح، من أجل ضمان استكمال كافة الإجراءات الضرورية لهذا الغرض، قبل أن تغلق الإدارة المختصة أبوابها. وتتساوى بذلك معاناتهم مع سكان دواوير الدائرة الأكثر بعدا عن مركز الإقليم، مدينة الخميسات.

وأبدى أكثر الفاعلين المدنيين المحليين الذين التقت بهم «المساء» استغرابهم استمرارَ هذه المعاناة، بعد أن تلقى سكان الدائرة وعودا بقرب افتتاح مفوضة للشرطة في مدينة الرماني، تضع حدا لما بات يسمى محليا «محنة البطاقة الوطنية». وذكر مقاول من أبناء المدينة أن الحديث دار، قبل فترة ليست بالقصيرة، عن قرب تشييد مقر للأمن الوطني في المدينة، بل ونـُقِل عن مصادر، لم يكشف عنها، تخصيص بقعة أرضية لتشييد هذه البناية التي طال انتظارها من قبل «الرمانيين».

أكثر من ذلك، تم، قبل أشهر عديدة، تداول أنباء عن قرب اكتراء مقر للمفوضية المنتظر أن تشرع في عملها دون أن تضطر إلى انتظار اكتمال أشغال بناء لم يشرع فيها بعد، حل من شأنه أن يعفي السكان، المحدودة مداخليهم أصلا، من متاعب استخراج البطاقة الوطنية ووثائق أخرى كثيرة ويخفف ثقل تكاليفها المالية عن ميزانياتهم الضعيفة.

عتبة الفقر

يضرب الفقر أطنابه في الدواوير المحيطة بمدينة الرماني. وتتسع رقعة العوز والفاقة لتغطي، أيضا، أحياء داخل المجال الحضري لهذه المدينة. يعتبر الموظفون أوفر الفئات الاجتماعية حظا أو على الأقل هكذا ينظر إليهم الفلاحون المعايشون لهم. سبب «الحظوة» توفرهم على دخل قار «إذا لم يعرف الزيادة، فإنه لا يخضع للنقصان»، على حد قول أحد الفلاحين.

واعترف فاعلون جمعويون محليون، ضمنهم موظفون، بـ«الامتياز الذي يحظى به الموظفون هنا عن باقي الفئات المهنية»، لكونهم «تابعين للدولة ويتلقون أجورهم على رأس كل شهر». غير أن هذه الفئة تشكو، بدورها، من ضعف الخدمات الأساسية في هذه المدينة ويطالبون برفع التهميش الذي يطال المنطقة كلها.

لا يقلون التجار «حظوة» عن الموظفين. «كل أيام هذه الرماني أسواق»، يقول مدراوي. وعلى هذا الأساس، ترتفع حظوظ هؤلاء التجار في رفع مداخليهم إلى مستويات تجعلهم فوق عتبة الفقر. غير أن التجار يدرؤون عن أنفسهم «تهمـة» هذه الحظوة ويؤكدون أن الركود يلقي بظلاله على المحلات التجارية في المدينة. أوكد كثير منهم أن «الحركة التجارية لا تنتعش في هذه المدينة إلا في المناسبات».

وتبدو المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم الكائنة في قلب المدينة، قبالة محطة سيارة الأجرة، من الصنف الكبير أكثر المحلات التجارية رواجا في المدينة كلها، والسبب كونها محطة استراحة للمارين من الرماني، لاسيما القادمين من اتجاه خريبكة وواد زم. بمحاذاة محطة «الطاكسيات» توجد «صالة كبرى» لبيع معدات الفلاحة والزراعة. الصالة ذات واجهة زجاجية تكشف، لزائري الرماني ولمتخذيها كنقطة عبور فقط، أنهم يوجدون فوق تراب منطقة فلاحية بامتياز.

المناطق المحيطة بالرماني فضاءات زراعية شاسعة تزيد الإشارة المتلقاة من «صالة البيع» سالفة الذكر ترسيخا. غير أن سكان كثير من الدواوير المحيطة بالرماني، التي زارتها «المساء»، على مدى يومين، يقولون إنهم فلاحون بالاسم فقط.. أسر قليلة هنا تمتلك أراضي في هذه الدائرة، القروية بامتياز. وثمة شركات تستحوذ على مساحات شاسعة في هذه المنطقة، بينما تظل مساحات أخرى، لا تقل أهمية عن تلك المستغلة من قبل الشركات، بدون استغلال.

وما يزال منطق «الضيعة» سائدا هنا. «ضيعة لوي» نموذج لذلك. تبعد هذه الضيعة بنحو 20 كيلومترا عن الرماني، على الطريق الرابطة بين الرماني والرباط، عبر «مرشوش«. لا توجد في هذه الضيعة بنايات حديثة، وإنما تكتسي جميع دُورها طابع المعمار الاستعماري، المقوسة سقوفها. غير أن بعض هذه الدور، التي بنيت في الفترة الاستعمارية، تضررت كثيرا نتيجة «الإهمال» الذي طالها على مدى سنوات عديدة. ويقول سكان هذه الضيعة إنهم غير معنيين بإصلاح أو ترميم المنازل الآيلة للسقوط، التابعة جميعها للمعهد الوطني للبحث الزراعي، الذي يجري خبراؤه تجارب عديدة في هذه المنطقة.

أكد عبد الرحمن، أحد أبناء الضيعة، أن شباب الضيعة لا يستفيدون شيئا من الأنشطة الفلاحية السائدة في المنطقة. ويعتبر زملاء عبد الرحمن الأخير «محظوظا» لكونه تمكـّنَ من الحصول على فرصة عمل في شركة إسبانية حطت رحالها بالقرب من ضيعة «لوي»، التي يقيم فيها أحد إخوته، ما يزال عاطلا، على غرار كثير من أبناء المنطقة.

غير أن عبد الرحمن لا يتردد في الرد على هذه «الحظوة التي يُغبَط عليها»، حيث ردد أكثر من مرة على رفاقه، وكان أخوه الأكبر بمعيتهم، العبارة التالية: «لا يمكن اعتبار العمل الذي أزاوله عملا»، ثم أتبع ذلك بالتبرير التالي: «عملي موسمي ومدخولي الشهري غير قار، والشركة اليوم توجد على عتبة الإفلاس».

كما أن الأجرة الشهرية لعبد الرحمان وزملائه الاثني عشر، وضمنهم حراس، تتقلص في فترات معينة من السنة إلى 600 درهم فقط، أي بمعدل 20 درهما لليوم.. وهو مبلغ اعتبره عبد الرحمن غير منصف تماما ولا يتناسب مع المهام الموكولة إلى عمال الشركة، المطالبين بتغطية مساحات شاسعة كانت الشركة قد وعدت في دفتر التحملات، الذي حصلت بموجبه على رخصة استغلال عشرات الهكتارات بمحاذاة ضيعة «لوي»، على تشغيل نحو 75 شخصا. ولا يستفيد العمال، أيضا، من أي تغطية صحية أو اجتماعية ويضطرون، في كثير من الأحيان، إلى قضاء فترات «بطالة اضطرارية«.

غير أنه بدا واضحا أن الأمور لم تجر كما اشتهتها وتوقعتها تلك الشركة منذ حطـّت الرحال في تلك المنطقة قبل نحو 8 سنوات: مئات أشجار «الجوز» التي زرعتها الشركة لم تثمر بعد بكميات وافرة. وأكد أحد العمال أن الشركة المعنيية تقضي أيامها الأخيرة في المنطقة. وتوقـّعَ أن تنسحب قريبا من الأرض التي تستغلها حاليا. وقد شرع العمال في الانتظام في شكل نقابي من أجل المطالبة بحقوقهم، غير أن «الأمية تجعل كثيرين منهم غير واعين بأهمية العمل النقابي من أجل الحصول على كامل حقوقهم». وثمة أيضا استياء يتنامى في صفوف شباب المنطقة بسبب «توزيع عشرات الهكتارات على أناس لا ينتمون إلى المنطقة»، وهو استياء يبلغ أشده حين تـُترَك مساحات شاسعة دون استغلال في وقت تنخر فيه البطالة أوصال المئات من شباب المنطقة وتئن فيه جل الأسر تحت عتبة الفقر. ونموذج ذلك أرض زراعية تفوق مساحتها الإجمالية 240 هكتارا لا يتم استغلالها في الوقت الراهن، رغم خصوبة تربتها وموقعها الاإستراتيجي بمحاذاة الطريق الرابطة بين عين العودة -نواحي تمارة ومدينة الرماني، عبر «مرشوش».

آبار مهملة تهدد حياة الأطفال في دواوير بضواحي الرماني

ما يزال سكان «ضيعة لوي» يتذكرون الأفق الجميل الذي رسموه لضيعتهم، بعد أن حطت شركة إسبانية رحالها بالقرب من ديارهم. استطاعت الشركة المعنية أن تحصل، بمقتضى دفتر تحملات، على ترخيص باستغلال عشرات الهكتارات لإنجاز مشروع لإنتاج ثمار الجوز. وبعد نحو 8 سنوات على وصول تلك الشركة، صار سكان الضيعة يخشون أن يخرج صغارهم أو أحد أطفالهم ولا يعود إلى البيت أبدا.. فقد حفرت الشركة ثلاثة آبار وتركتها مهملة، من غير إشارات تدل لا وجودها أو تحذر من خطر الوقوع فيها.

لا تكاد فوهات الآبار الثلاثة ترى بالعين المجردة، ولا تغطيها سوى أحراش تحيط بها الأعشاب الخضراء من كل جانب، يتركز أحدها وسط حقل زرعت فيه عشرات أشجار الجوز. أشجار تغري ثمارها الأطفال، خصوصا التلاميذ، الذين يحاولون يوميا قطف ثمارها، على قلتها، وهو عامل يرفع احتمالات أن يهوي في قعر البئر أحد هؤلاء الأطفال اللاهثين وراء حبة «جوز» على حين غفلة من أهله وحراس الحقل، غير المحاط بسياج أو بحائط.

أزال بعض شباب الدوار عن فوهة البئر الأحراش التي كانت تغطيها. وبادر أحدهم إلى رمي شجرة في قعر البئر، وقبل أن يسمع دوي التطامها بالماء في الأسفل، قال آخر إن «عمق البئر لا يقل عن 120 مترا»، ثم أضاف بلغة جازمة: «لا أمل في الحياة لمن يهوي في هذه البئر»!.

طالب سكان الضيعة في أكثر من مناسبة بوضع إشارات تدل على وجود هذه البئر، إضافة إلى إحاطتها بسياج يبعد خطرها عن أطفال الضيعة والمناطق المجاورة، لكن مطالبهم لم تجد لها آذانا صاغية. وفي انتظار الاستجابة لهذا المطلب، يضع هؤلاء السكان أيديهم على قلوبهم كلما تذكروا حادثة سقوط شاة في بئر مماثلة في أحد الحقول المجاورة، خشية أن يكون مصير أحد أطفال الضيعة شبيها بمآل تلك الشاة.

محمد بوهريد - المساء


الثلاثاء، 13 مارس 2012

تحقيق : غياب الطرق والماء والكهرباء عن قبائل بتيفلت

أن تصل إلى قبائل آيت علا حودران ومعها شقيقتها آيت بلقاسم، لا يلزمك أكثر من ساعة من الوقت، انطلاقا من الرباط والوجهة طبعا مدينة تيفلت، التي ما إن يتم ذكر اسمها في ربوع الوطن حتى يُستحضر قربها من العاصمة مع ما يعنيه ذلك من استفادة من امتيازات القرب من مركز القرار، أو هكذا يعتقد...

بعد عشر دقائق أو خمس عشرة دقيقة على الأكثر من ركوب الطريق السيار المتجه إلى مكناس، تشير علامات التشوير إلى الانعطاف يسارا بغية الوصول إلى الوجهة المقصودة، وما هي إلا هنيهة من الزمن حتى يجد المرء نفسه أمام عبارات الترحيب التي تكاد كل مدن البلاد ترفعها في بوابات الدخول إليها، ومن تيفلت الراقدة في هدوئها، تستدعي الضرورة الانعطاف يمينا للتوجه إلى جماعة آيت بلقاسم المكسوة بخضرة النباتات في هذا الفصل الذي يؤسس لفصل الربيع، فضلا عن الأشجار المنتشرة في كل مكان...عموما ينتابك إحساس بأنك في المغرب النافع وفق مقولة الاستعمار الفرنسي، الذي نظر ذات لحظة من تحكمه في مفاصل الحكم بالبلد، إلى أن ما يبعد عن وسط البلاد مغرب غير نافع، ومن ثم نهج سياسة التجاهل واللامبالاة إزاء هاته الأماكن، التي مازالت، لسوء حظها ، تندب قدرها الذي لوح بها جغرافيا إلى الهامش..

غابة جميلة ونفايات كثيرة

ما أن تغادر آخر بناية بالمدينة وتتنسم هواء البادية المنعش، يتراءى للمرء امتداد غابة مجاورة تعانق الطريق وتضفي عليها جمالية خاصة، وما أن تستنشق ما طاب لك من الهواء النقي، حتى تصاب بصدمة زحف النفايات على هذا الفضاء الأخضر، إنها الحقيقة، نفايات وأزبال تعانق هي الأخرى، أشجار الكاليبتوس الممتدة إلى أعلى، إنه منظر يدعو ناظره لأول مرة إلى الإحساس بالدهشة أو أشبه، إذ كيف يستساغ أن ترمى المخلفات السامة والفضلات وسط غابة مجاورة للمدينة، و يفترض أنها رئتها التي تمدها بالأوكسجين، ولقد كان أحمد. س، ابن المنطقة، محقا عندما بادر إلى الإجابة عن دهشتنا أثناء التمعن في زواج الأشجار بالأزبال، بالقول إنه يشبه ما تعرفه البلدة من تقتيل متعمد للطبيعة، حسب وصفه، بإقدام رجل ما على الإكثار من تناول السجائر، مضيفا أن المدخنين يعون تماما أن سجائرهم سم وسرطان، لكنهم يسعون وراءها، بل لا يصبرون على مفارقتها ولو لوقت قصير.

في مطرح النفايات هذا، الذي اختير له الحزام الأخضر لمدينة تيفلت، يُمارس نوع من الشراكة الغريبة بين العديد من الجماعات، يقول مرافق لأحمد، الذي بادر إلى مشاركتنا الحديث، وعند استفساره عن المقصود بكلامه، أجاب بالقول :« في هذا المكان الجميل، جرى الاتفاق بين أربع جماعات حضرية وقروية، على اتخاذه مطرحا للنفايات، إذ فضلا عن مدينة تيفلت، تنتهي فضلات مدن الخميسات وسيدي علال البحراوي وسيدي عبد الرزاق هنا».

أما محمد . ك ، المستشار الإقليمي، والنائب الأول لرئيس جماعة آيت بلقاسم، فقد قال عند الالتقاء به صدفة، أن اهتمام المسؤولين المحليين منصب على بناء سور خارجي للمطرح، وذلك سعيا إلى الحد من زحف الأزبال على جل المجال الغابوي، مضيفا أنه يعترف بسيادة الفوضى في مجال تسيير هذا المرفق، منذ ما يقارب العشر سنوات، أي مباشرة بثلاث سنوات أو أربع بعد تدشينه في العام 1998 .

مستوصف بلا كهرباء

وسط سور السوق الأسبوعي لجماعة آيت بلقاسم، يوجد مستوصف وحيد يعرف هو الآخر مشاكل من نوع خاص جدا، فرغم الالتصاق بمقر الجماعة، لم تجد الكهرباء طريقها بعد إلى مكان الاستشفاء هذا الذي بلغ من العمر حوالي 15 سنة، وظل يعتمد في أداء وظائفه على نور الشمس، التي بمغيبها يغيب النور..صادفت زيارتنا للمكان يوم عطلة، فكان طبيعيا أن يكون باب المستوصف مغلقا، وما لم يكن طبيعيا ، حسب مرافقنا، الذي عند علمه بخلفيات زيارتنا للمنطقة، أبى إلا أن يشاركنا المسير، ما لم يكن طبيعيا حسب قوله، هو وجود مختلف التجهيزات الطبية، وعوض الاشتغال بها وعليها، تترك عرضة للتلف والصدأ في غياب الكهرباء، وأضاف محدثنا بنبرة تملؤها الحسرة قائلا « لقد كان حريا بالساهرين على قطاع الصحة بالمنطقة ، أن يمنحوا تلك التجهيزات على سبيل الهبة لمن هم في حاجة لها، أما نحن فلم نعد ننتظر شيئا، لأن حقيقة اعتبارنا مواطنين من الدرجة الثانية لم تعد تقلق راحتنا»!

مشكل الاستشفاء مشكل يرخي بظلاله، أو يكاد، على كل دواوير المنطقة، والناس هنالك من مختلف الأعمار تضع هذا الاهتمام على قائمة الأولويات، إذ ما أن تكلم أحدهم حتى يشكوك جانبا من قصص «المعاناة» مع المرض، التي تعمق من جراحها صعوبة الوصول إلى مستشفيات المدينة، علما بأن حالات كثيرة كالولادة أو ما شابه، تتطلب السرعة في التدخل الطبي، لكن غياب الكهرباء عن المكان ومعها غياب الطبيب الرئيسي، ومع الإثنين غياب الطريق، كل هذا يدفع بالساكنة إلى وضع أيديها على قلوبها فور ظهور علامات المرض المفاجئ على أحد أفرادها. حول سؤال بخصوص واقعة غياب الطبيب عن مستوصف جماعة آيت بلقاسم، والاكتفاء رغم ذلك بالممرضة والممرض، فضلا عن عدم الربط بالتيار الكهربائي، قال أحد المسؤولين المحليين إنه وباسم المجلس الجماعي راسل وزارة الصحة العمومية، حول الموضوع، في أكثر من مناسبة، إلا أنها ( الوزارة) لم تكلف نفسها عناء الإجابة عن تلك المراسلات، وأضاف ذات المتحدث بأن ساكنة المنطقة، باتت تخشى أن يكون إقصاؤها سياسة متعمدة، وتناسيا مقصودا لا نسيانا طارئا، إذ لا يعقل أن لا تعلم الوزارة الوصية على القطاع بغياب الكهرباء عن إحدى مؤسساتها، رغم أن الأمر لا يتطلب إلا توقيعا من هذا المسؤول أو حتى مكالمة هاتفية من آخر، ثم لا يعقل ، حسب الشخص نفسه، أن يظل منصب الطبيب الرئيسي شاغرا رغم تواجد العديد من الطاقات الصحية التي باتت تتظاهر على بعد أقل من 70 كيلومترا ببوابة مجلس النواب.

الصحة بالمنطقة مريضة وتحتاج إلى طبيب يقيم بين ظهرانيها، يلبي النداء كلما دعت الضرورة إلى ذلك، يقول أحد أبناء الدوار، الذي أضاف بأن من لسعه عقرب لا يفهم ولا يهمه أن يفهم بأن مشاكل تقنية هي التي حالت دون إسعافه بالمركز الصحي القريب من سكنه، والمرأة التي جاءها المخاض ولم تمتد إليها يد الطبيب لتخليصها من الألم، لا تستطيع لغة الخشب أن تجد إلى مسامعها سبيلا.

آيت علا حودران: لا ماء ولا كهرباء

فور الابتعاد بأمتار قليلة عن المستوصف ومقر الجماعة، تنتهي الطريق المعبدة، أو التي تتراءى كذلك، اعتبارا لكثرة الحفر بها المتناثرة بها والتي لكثرتها ما أن يحاول سائق تجاوز إحداها حتى يسقط في الأخرى، لدرجة يعمد معها أغلب السائقين العارفين بجغرافيا المنطقة إلى السير جنبا والابتعاد قدر المسموح به عما كان معبدا من الطريق، لذلك تجر جل المراكب العابرة للطريق وراءها خيمة من الغبار المتطاير..

بأمتار قليلة، إذن، تبتدئ طريق آيت علا حودران، المنتمية إلى الطرق المدرجة ضمن ما جرى الاتفاق على تسميته «برنامج فك العزلة عن العالم القروي»، إلا أن السير هنالك يتطلب مهارة معينة من السائق، الذي يتوجب عليه ، والحالة هاته، تخفيض السرعة إلى أقصى الحدود الممكنة، إن هو ابتغى حقيقة الوصول سالما بعربته إلى حيث هو ذاهب. توقف مرافقنا للسلام على رجل خمسيني، كان مترجلا في الاتجاه المعاكس. إنه فقيه الدوار الذي قطع زهاء الأربعة أو الخمسة كيلومترات، في طريقه إلى «الشانطي» البعيد قرابة ساعة أخرى من المسير، لعله يجد هنالك سيارة أجرة تقله إلى حيث تقيم أسرته التي يزورها بين الفينة والأخرى.

«الله يبدل الأحوال بأحسن منها» قال الفقيه عندما سئل عن حيثيات رحلته وما يرافقها من مشقة، مضيفا أنه يتطلع إلى اليوم الذي يُنعَم فيه على الجماعة بطريق معبدة تجعل الدخول والخروج من و إلى الدوار أمرا ميسرا، فلا حول و لاقوة إلا بالله، يقول الرجل الذي يتكلم همسا، اعتبارا لكونه رجل دين، يحظى باحترام وتقدير الجميع.

على جنبات الطريق، وحيثما امتد نظر العين، تتناثر البيوت الريفية، التي تبدو في أحسن الأحوال، اعتبارا إلى الغطاء الأخضر الذي يلفها من كل جانب، فضلا عن أسلوب بنائها وطرق ترميمها، وجنب كل واحدة منها تمتد سلسلة من أعمدة الكهرباء، التي توحي بامتلاك الساكنة هنالك أسباب الارتباط بالعالم المعاصر، إلا أن الارتباط المذكور موقوف التنفيذ، كيف ذلك؟ الجواب عن ذلك، وفق ما جاء على لسان أبناء آيت علا حودران، يكمن فيما يرونه تهميشا يطال بلدتهم، لدرجة تتعطل فيها أهم مصالحهم وأكثرها حيوية لمجرد توقيع أحد المسؤولين.

يقول سي محمد، الذي سألناه استنكارا عن شعوره غداة ارتباط منزله بالتيار الكهربائي، «إنهم في المدن، داخل مكاتبهم ومنازلهم، لا يتحملون العيش بدون كهرباء لمدة ساعة، أما نحن فلا بأس أن نضيف بعضا من الشهور في عتمة الظلام، الذي عاشه أجدادنا ومن سبقهم» وبعد أن أشعل سيجارة من النوع الردئ، واصل محدثنا كلامه بالقول إن الكهرباء تُقطع عادة بسبب أعطاب تقنية، إلا أنها في آيت حودران، تُمنع من الوصول إلى البيوت لأعطاب إنسانية، وإلا ماذا ينتظر المسؤولون لإعطاء انطلاقة سريان الحرارة في «الكابلات» الكهربائية.

بعد الانتهاء من الحديث حول ما تسميه ساكنة الجماعة بوقف التنفيذ في موضوع التزود بالكهرباء، أشار إلينا أحدهم إلى كثرة «السقايات» المتناثرة هي الأخرى بدواوير الجماعة، قائلا بألا واحدة منها جميعا توجد في حالة الخدمة، وفعلا توقفنا عند العين الوحيدة التي يحج إليها الجميع، وهي عين توجد بأحد المنحدرات، ويعود تاريخ بنائها إلى عهد الحماية الفرنسية، إنها عين يضطر معها البعض إلى خسارة ساعات من الزمن وعشرات من الكيلومترات بغية حمل الماء منها.

نبيل تلميذ في العاشرة من العمر، يلبس ثيابا تكاد لا تقيه لسعات البرد القارس، يركب دابة وعلى ظهرها بضع من القناني البلاستيكية من فئة خمسة لترات، قال عند سؤاله عن رحلة البحث عن الماء، بأنه يضطر يوميا إلى السير زهاء الساعتين لجلب الماء إلى أسرته، وأضاف بأن ذلك يضيع من وقته المخصص لمراجعة دروسه الكثير، إذ لا يعقل ، وفق ما قاله نبيل دائما ببراءة الأطفال، أن تجمع بين الدراسة وجلب الماء.

شيخ سبعيني صادف وجودنا بالعين ذاتها قال إنه وأسرته يُستسقون من هاته العين منذ أن كان صبيا، وأضاف «فرحنا كثيرا ببناء «سقاية» قريبة من منزلنا إلا أنهم أبوا إلا أن يؤجلوا فرحنا، وقد ننتقل إلى العالم الآخر دون التمكن من الاستفادة من الضو والما»! فوق «العين» التي تعتبر مكانا لالتقاء الجميع، توجد مدرسة الدوار، التي لتواجدها فوق ربوة عالية، تكاد تظهر من جميع الزوايا، وما يجعل الزائر يستشعر تواجد مؤسسة عمومية هنالك، تلكم الراية الحمراء، التي ترفرف، رغم حالتها التي تشي بنسيان القائمين على المؤسسة، تغييرها.

حجرات الدرس مغلقة في انتظار المعلم الذي، وفق رواية العديد من الآباء الذين التقيناهم، فضلا عن التلاميذ، ،يعاني أمراضا نفسية تمنعه من ممارسة مهنة التدريس، فيما تؤدي معلمة مهمتها بإخلاص، أما المراحيض فهي عبارة عن بيت متهالك لا سقف فيه، تأبى النفس البشرية مجرد الرؤية إليه لما يحمله من علامات الخراب، إنه لا يحمل من معنى الكلمة إلا الإسم، وبالاقتراب منه تستشعر فعلا أن قبائل آيت علا حودران مازالت قابعة في ظلام النسيان

وحدها غابة ازعير تطل من الجانب الآخر على المكان، وتبعث مع كل غروب شكل لوحة تشد الناظر إليها، لتهمس في أذنيه «ما أجمل الطبيعة وما أقسى الإنسان»!

عبد المولى الزاوي - الاتحاد الاشتراكي

الثلاثاء، 7 فبراير 2012

حوار مع ابن الخميسات البروفسور علال بوتجنكوت وجديد لقاح داء - ألزهايمر

لقد ظل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب في المغرب شحيح العطاء إن لم نقل تجاهل شبه تام، لعقولنا المهاجرة التي تغرد في دول المهجر في مجالات سياسية واقتصادية وعلمية، الذين هم بمثابة سفراء فوق العادة لبلدانهم، بل أكثر من ذلك بكثير. فناذرا جدا ما يتناول إعلامنا بتصنيفاته المختلفة، قضايا عقولنا المهاجرة المتميزة بنجاحاتها الباهرة، التي تعمل في دول المهجر بأوروبا وأمريكا وغيرهما.

لقد تجاهل برنامج " بدون حرج " المقدم من طرف Medi 1 TV حول موضوع داء " ألزهايمر " في المغرب ، كما تجاهلت القناة الثانية المغربية 2M في برنامجها Grand angle حول موضوع داء " ألزهايمر"؛ تجاهلا معا وجود عالم وباحث مغربي؛ أحد أبناء المغرب المغتربين بأمريكا،‮ الذي ‬أضحى علامة مشرقة ومرجعا على الصعيد العالمي‮ ‬في‮ ‬مجال البحث حول داء " الزهايمر "،‮ ‬وهو البروفسور ‬علال‮ ‬بوتجنكوت ابن مدينة الخميسات، الذي‮ ‬توج مؤخرا ضمن أول أربعة خبراء مختصين في‮ ‬البحث حول هذا الداء في‮ ‬العالم،‮ ‬وذلك ضمن أشغال المؤتمر العالمي‮ ‬الأخير حول داء " ألزهايمر‮" ‬الذي‮ ‬احتضنته مدينة هاوي‮ ‬في‮ ‬13‮ ‬يوليوز 2010‮.‬ كما تم تتويج هذا العالم المغربي‮ ‬والعالمي‮ ‬في‮ ‬23‮ ‬شتنبر ‮ 2010، ‬من خلال منحه بكل استحقاق، جائزة‮ " مارغريث ما كان للبحث العلمي‮ " لمرض ألزهايمر(Award 2010 de Margaret M Cahn de la recherche sur Alzheimer) التي‮ ‬تنظمها سنويا جمعية " ألزهايمر " العالمية،‮ ‬وذلك ضمن حفل أقيم على‭ ‬شرفه بالمناسبة‮.‬ كما منحته جمعية مغرب ألزهايمر، جائزة خاصة لسنة 2011 لنفس الاعتبار في ندوة شارك فيها بالدار البيضاء بتاريخ 21 شتنبر 2011، بمناسبة اليوم العالمي لداء ألزهايمر(l association Maroc Alzheimer Award 2011 de).

وللتذكير، فإن القناة الثانية قد أنجزت سابقا روبرتاجا محتشما بنيويورك في 23 ماي 2011 حول هذا العالم الشاب، الذي رفع رأس المغاربة عاليا بين أمم الأرض في مجال بحثه الطبي السيكولوجي، ولم يستشهد به برنامج Grand angle، إذ اقتصر على ذكر اسمه في أقل من ثانية، دون أن ينتبه إليه أحد. فإعلامنا كسول ومهمل إن لم نقل ناقص التكوين والجرأة، وهو في حاجة إلى روح التمحيص و التنقيب في إطار الموضوعية المهنية والحياد الضروريين.

كل ذلك في‮ ‬غياب أي‮ ‬اعتراف أو اهتمام حقيقي‮ ‬بهذا الشاب المغربي،‮ ‬من قبل الجهات الرسمية وغير الرسمية في‮ ‬وطنه الأم،‮ ‬وهو الذي‮ ‬لا يزال مرتبطا بقوة ببلاده،‮ ‬قلبا وقالبا،‮ ‬ويقوم رغم مشاعر المرارة التي‮ ‬يعبر عنها بمحاولات متواصلة من أجل تمتين هذه الروابط خدمة لأبناء جلدته ولجهود التنمية في‮ ‬وطنه وإقليمه،‮ ‬كان آخرها تأسيسه رفقة عدد من رفاقه في‮ ‬الغربة لجمعية‮ ‬أرادها حلقة وصل بينه وبين المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الفاعلة في‮ ‬الوطن على مستويين،‮ ‬مستوى شؤون الجالية،‮ ‬ومستوى شؤون البحث العلمي‮ ‬في‮ ‬المجال الطبي‮ ‬وخاصة في‮ ‬مجال الذاكرة وأمراض الانحلال العصبي‮ ‬وعلى رأسها داء " ألزهايمر‮ ".‬ وقد أخذ على عاتقه المساهمة الفعالة في النهوض بالصحة والتنمية بمدينته الخميسات ونواحيها، عبر " مركز التضامن الصحي والتنموي " الذي هو رئيسها الشرفي.

ولمعرفة جديد البروفسور بوتاجنكوت علال، لابد أن نبدأ من البداية حتى نضع القارئ والمهتم في صورة شمولية وواضحة، أقدم ملخصا للحوار الذي أجريته معه، المنشور في عدد من المواقع وعلى رأسها موقع "هيسبريس" 2009، تحت عنوان: د. علال بوتجنكوت : لم نختر الهجرة، بل هي التي اختارتنا "، أو " حوار خاص : جديد الباحث المغربي البروفسور علال بوتجنكوت ( في مجال اكتشاف وتطوير لقاح ألزهايمر Alzheimer بأمريكا ) بباقي المواقع، مع التركيز على مجاله العلمي وبحثه الخاص في تطاق اكتشاف وتطوير لقاح " ألزهايمر " Alzheimer بأمريكا إلى حدود 2011.

يرى البروفسور علال بوتجنكوت أن داء "ألزهايمر" (Alzheimer)، مرض ”انحلالي-عصبي” الذي يتميز بنوعين من التمزق على مستوى الصفائح الهرمية، وانحلالات” ليف-عصبية”.وتبدأ أعراض هذا المرض في شكل اضطرابات على مستوى الذاكرة التي تتناقص مع مرور الزمن .ويصاب المرضى على إثرها باضطرابات في النطق والإدراك، وكذا السلوكات الحركية .ويعاني المريض بهذا الداء من توسع على مستوى البطن الجانبي وثقب في الشقوق الإيحائية، مع انخفاض في وزن الدماغ. وذالك طبعا مرتبط بالتقدم في السن.

لقد بدأ البروفسور بوتاجنكوت علال في الأول بالاشتغال على داء ألزهايمر منذ سنة 2000. هدفه منذ أن كان ببلجيكا بمدينة ”سانت نيكلاس” بكلية الطب ببروكسيل، كان مرتكزا في البداية على الفهم الجيد لميكانيزمات، وكذا الجانب الجيني الوراثي للمرض. من أجل التأكد من عمله هذا، طور وأنتج نموذجين حيوانيين الحاملين لجينات المرض (transgénique). هذين النموذجين، تم استعمالهما من طرف شركة صيدلانية بباريس. لكن أحد هذه النماذج، قدمه في مؤتمر أورون مستريشت (Euron, Mastricht) بهولندا في 2001، وبعد ذلك، قدم النموذج الثاني مصحوبا بعمل آخر حول مرض ألزهايمر؛ وقد هيئ من أجل ذلك خريطة لتوزيع بروتين" طو " (tau) في مختلف نواحي مخ مرضى ألزهايمر بعد موتهم، التي تم مقارنتها مع الحالات العادية. هذين العملين قدما في المؤتمر العالمي لمرض ألزهايمر بالسويد في 2002.

ومنذ ولوجه المستشفى الجامعي بنيويورك، كان يشتغل مع زملائه في شعبة الطب النفسي وعلم الأعصاب ، حول العلاج المناعي (l’immunothérapie) لمرض ألزهايمر. هكذا حققوا ما يريدون في ظرف سنتين التي قضاها بنيويورك. حيث حاول مع رفاقه حل المشكل الذي نتج عن اللقاح الأول لألزهايمر الذي يستهدف ”الأميلويد بيتا”، والذي توقف بسبب تأثيراته الجانبية المتمثلة في ”المينانجيت الرأسي” الملاحَظ عند 6% من المصابين. أما فيما يتعلق بالجديد في هذا الاكتشاف، فقد طور فريقه لقاحا جديدا، والمتمثل في ”بيبتيد متفرع عن الأميلويد بيتا 42 ، والذي يستهدف ”الأميلويد بيتا الخارج خلوي”، وذلك باختزال معدل الأميلويد بيتا بنسبة 46% على مستوى المخ، و بدون تأثيرات جانبية. وكان قد قدم هذا العمل في المؤتمر العالمي لمرض ألزهايمر المنعقد بمدريد عام 2006.

وبعد ذلك تم تقديم أول لقاح في العالم، في المؤتمر العالمي بشيكاكو 2008 ، الذي طوروه ضد باطلوجية الطو (la pathologie Tau) والذي نشر في جريدة علم الأعصاب في 2007 . لكن النموذج الذي استعملوه، لم يكن صالحا جدا ( مثاليا ) لهذا الداء.

وحتى يصبح هذا اللقاح صالحا لعلاج داء ألزهايمر بصفة حقيقية، كما يوضح البروفسور بوتاجنكوت علال، وجب أولا إجراء عدة تجارب أخرى على نماذج تحمل جينية أخرى، حيث يمكن الحصول على نفس النتائج. المشكل هنا هو عدم وجود نموذج حيواني يحمل الجين المثالي للمرض ألا وهو”طو” (Tau) الذي يعتبر أحد الجينات المسببة لألزهايمر (. (Alzheimer

ولحل هذا الإشكال، قام البروفسور بوتجنكوت بتحمل كامل المسؤولية في تطوير هذا النموذج الجيني المثالي، فطور بنجاح، نموذجا جينيا مزدوجا جديدا مثاليا للمرض المتلازم ”طو”. هذا النموذج المزدوج، يعبر عن جينيين للإنسان، المتدخلين في داء ألزهايمر وهما : ”طو ” و "بريسيلين."

لهذا طور نموذجا جديدا، الحامل للجينات (transgénique) الذي جرب عليه اللقاح الجديد ضد "طو"، والذي أعطى نتائج مبهرة مقارنة، مع ما حصلنا عليه في النموذج الأول، خاصة أن هذا النموذج أقرب بكثير بالنسبة للباطولوجيا (pathologies) التي نجدها عند المصابين بهذا الداء. فهذا النموذج قدمه في المؤتمر العالمي بشيكاكو بصحبة رئيس قسم تخصصه في 2008.

لم يكن مرض ألزهايمر متصفا بباطولوجية (pathologie) واحدة بل اثنتان: الصفائح الهرمية (plaques séniles) والطو (Tau): ففي ما يتعلق بالضرر الباقي المتمثل في الصفائح الهرمية الشيخوخية، لقد توصل مع فريقه أخيرا إلى تطوير لقاحه هو الآخر، الذي تم تجريبه على نموذج حيواني المطور للصفائح، هذا اللقاح، ركب بشكل رائع من خلال استعمال لتكنولوجيا عالية والمستعمل عن طريق الفم (oral vaccine). وقد قدم النتائج التمهيدية لهذا اللقاح في المؤتمر العالمي لعلم الأعصاب بسان دياكو (San Diego) 2007 بأمريكا. وبعد سنتين بينت التحليلات أن هذا اللقاح اختزل نسبة 75% من صفائح مخ الحيوانات، الحاملين للجينات المريضة المعالجة (transgéniques)، وكذا بدون نزيف دقيق كآثار جانبي. هذا العمل المتواضع الذي يتشرف في البداية كصاحب اكتشافه الأول، رفقة زميله " فرناندو" الذي ساعده كثيرا، المنشور في المجلة العالمية لمرض ألزهايمر. هذا اللقاح، يعد مناسبا بشكل كبير لتلقيح مرضى ألزهايمر في المستقبل. لكن، قبل الوصول إلى هذه المرحلة، يجب دائما التحقق من باقي الآثار الجانبية. الشيء الذي سيحتاج إلى سنين عديدة قبل المرور إلى المرحلة السريرية I و II و III .

المهم في كل هذا، هو أنهم توصلوا إلى التقليل من الباطولوجيا (la pathologie) لأول مرة، عن طريق الفم بنجاح كبير للجانب الثاني (deuxième lésion) للمرض. وهذا العمل تم إنجازه من طرف مجموعة من الخبراء وعددهم 9 دكاترة، لكن دقة العمل وأجرأته قام بها هو وزميله " فيرنا ندو" .

ففي عام 2009، شارك كذلك في مؤتمر دولي لداء ألزهايمر المقام في فيينا بالنمسا Austria، بين 11 و 16 يوليوز 2009 ، حيث قدم فيه أعمال جديدة. وكالعادة دائما، تم تشريفه بجائزة المشاركة في هذه القمة التي منحها له المؤتمر العالمي لمرض ألزهايمر (ICAD). وفي نفس الوقت، توصل بدعم على شكل جائزة كبرى من طرف جمعية ألزهايمر USA في 4 غشت 2009 ، الشيء الذي سيمكنه من متابعة أبحاثه في المستقبل، من أجل إيجاد حلول لمعضلة الصحة العمومية.

أما في ما يخص نقص المعرفة المرتبط بداء ألزهايمر لدى فئات واسعة، خاصة في عالمنا العربي بشكل عام والمغرب بشكل خاص، وكيف تتقدم الأبحاث الخاصة بالعلاج والوقاية من المرض، يقول البروفسور علال بوتجنكوت: إن الجهل أو نقص المعرفة المرتبط بداء ألزهايمر لدى فئات واسعة خاصة في عالمنا العربي والمغرب على الخصوص، راجع أساسا إلى غياب الكفاءة والالتزام الضروريين لدى المسئولين عن الشأن الصحي والطبي بالمغرب وفي البلاد العربية عموما. وفي ظل عدم تحفيز البحث العلمي والطبي، فإنه من الطبيعي أن لا يحظى المرض بالاهتمام والمعرفة اللازمين حتى في الأوساط الطبية والمهنية. فأغلب الأطباء لا يمتلكون الأدوات والوسائل الضرورية لتشخيص المرض. وليست هناك إحصائيات أو معطيات حوله. بل إن أغلب الدول العربية لا تمتلك حتى مراكز للذاكرة كفيلة بالاضطلاع بمثل هذه المهمة.

يقول: يجب إذن تحفيز البحث حول الموضوع والقيام بدراسات وطنية حوله أولا. ثم القيام بتنظيم ملتقيات وندوات يشارك فيها متخصصون، ويتم نشر نتائجها وخلاصاتها على نطاق واسع، وحتى في الدوريات العلمية الدولية. ليكون لذلك صدى أيضا في وسائل الإعلام التي يجب أن تساهم بدورها في التحسيس بالمرض والوقاية منه. لكن الحديث الذي يتم حاليا حول مرض ألزهايمر في وسائل الإعلام يتم فقط بصفة غير مباشرة وجد محدودة من خلال بعض الحالات التي نتعرف عليها نحن كمتخصصين والتي نشاهدها ضمن برنامج «مختفون» على القناة الثانية، دون أن يعرف أو يذكر أحد أنها تتعلق بداء ألزهايمر، وبعض البرامج الفقيرة الناقصة الغير المهنية حول داء ألزهايمر. وهناك من العائلات التي تستحي حتى أن تعرض مرضاها على طبيب مختص، بل تفضل أن تحبسهم في المنازل أو اصطحابهم إلى بعض معاقل الدجل والسحر والشعوذة، بدعوى الجنون أو الخرف. وهو شيء مؤسف فعلا.

ويستطرد قائلا: لابد أيضا من إحداث بنيات مختصة، بدءا من شعب علمية في الطب وعلم النفس مختصة في الأمراض الانحلالية العصبية، وصولا إلى مراكز استقبال للأشخاص المصابين بهذه الأمراض وعلى رأسها ألزهايمر. كما يتوجب تنظيم لقاءات وندوات لفائدة عائلات المرضى. وقد كان أول من أطر ندوة علمية حول داء ألزهايمر في سنة 2004 بمدينة طنجة. إن الحكومة المغربية مطالبة بتحمل مسؤولياتها في هذا المجال اتجاه المرضى وعائلاتهم واتجاه إيجاد وسائل التحسيس والتعريف والدعم المعنوي والمادي في مواجهة هذا المرض الذي يهم حاليا 26 مليون شخص عبر العالم وينتظر أن يرتفع هذا الرقم إلى 115 مليون شخص في سنة 2050. هذا في الوقت الذي ما زلنا في المغرب نجهل حتى عدد الحالات الموجودة عندنا. يقال أن العدد يقارب 80 ألف حالة في المغرب.

وإذا تم تشخيص داء ألزهايمر لدى مريض ما، يقول البروفسور بوتجنكوت، فلا بد أن تلعب الأسرة دورها الأساسي في مواكبة حالته بدءا من عرضه على طبيب أعصاب أو طبيب نفساني مختص في الاضطرابات العصبية. وذلك حتى يمكن مساعدته والتكفل بحالته في مرحلة مبكرة. فهناك عدة أدوية بإمكانها تأخير تطور الحالة والتخفيف من حدة مضاعفات المرض.

ولقد قدم نصيحة أساسية وجهها إلى الأسر، وهي عدم حبس المرضى أو عزلهم، فمن شأن ذلك أن يفاقم حالتهم، لأنهم في حاجة أكبر وأمس إلى الدفء العائلي والأجواء الاجتماعية والمعاملة الطيبة. كما يجب أن يخضع أفراد الأسرة لبعض الدروس التكوينية من أجل معرفة كيفية التعامل مع المرضى وتقديم المساعدة النفسية لهم.

وبالنسبة إلى تجربة البروفسور علال بوتجمكوت في البحث العلمي حول داء ألزهايمر، وبعد سلسلة اللقاحات المضادة له والتي تمكن من تطويرها ضمن فريق عمل يعمل معه في جامعة نيويورك منذ سنوات، وخاصة منها اللقاح المضاد لباطولوجيا (طو Tau) كأول لقاح توصلوا إليه قبل أن يطوروا لقاحا أخر مضادا للصفائح الهرمية، ثم نموذجا ثالثا للقاحات قاموا بتقديمه ضمن فعاليات المؤتمر العالمي لألزهايمر في سنة 2008 ... هذه التجربة وصلت بهم حاليا في سنة 2010 إلى تطوير لقاح جديد مضاد لباطولوجيا (طو Tau) حقق نتائج مخبرية هائلة، حيث مكن من خفض مستوى المرض بنسبة 58% في أدمغة الفئران المعالجة مخبريا. وقد قام البروفسور علال بوتجمكوت بتقديم هذه النتائج ضمن ندوة صحفية في إطار أعمال المؤتمر الدولي الأخير حول ألزهايمر، والمنعقد في هاواي في شهر يوليوز 2010، إذ توج ‮ ‬في‮ ‬23‮ ‬شتنبر ‮ 2010، ‬بجائزة‮ " مارغريث ما كان Margaret M Cahn للبحث العلمي‮ " لمرض التي‮ ‬تنظمها سنويا جمعية " ألزهايمر " العالمية،‮ كما توج من طرف جمعية مغرب ألزهايمر، بجائزة خاصة بالدار البيضاء بتاريخ 21 شتنبر 2011، بمناسبة اليوم العالمي لداء ألزهايمر.

فلم يبق لنا إلا أن نعتز كثيرا بالبروفسور والعالم الباحث علال بوتجنكوت ونفتخر به، ونثمن عاليا مجهوداته وإنجازاته، ونقدر تضحياته وتفانيه في العمل الصالح في خدمة الصحة العامة في العالم، دون أن ينتظر لا جزاء ولا شكورا ولا اعترافا ولا تقديرا من بلده ووطنه وأمته. يكفيه فخرا أنه معترف به ومتوج عالميا على كل ما قدمه ويقدمه من خدمة للإنسانية جمعاء، رافعا سمعة بلاده عاليا في المحافل الدولية في مجال الطب والصحة العامة. بورك فيه وفي نتائج أعماله ووفقه الله وسدد خطاه.



ذ. بنعيسى احسينات - الحوار المتمدن




الثلاثاء، 6 دجنبر 2011

إحتفالات عاشوراء أو عندما يصبح المغاربة شيعة ؟

حسب بعض المؤرخين الباحثين العادات التي تتخلل عاشوراء تعتبر بقايا من المذهب الشيعي المنتشر بالمغرب خلال القرن 11ميلادي و بهذا امتزجت الطقوس الشيعية و الطقوس الإسلامية و الطقوس اليهودية و الطقوس الأمازيغية عبر مراحل الزمن يمتزج فيها الحزن بالفرح و يكون مناسبة لانتقاد الوضع الداخلي للأهالي في شكل ساخر بتجسيد مظاهر الحرث و الحصاد في لوحات مسرحية تحاكي فصول السنة و من خلال شكل الملابس التنكرية و الأقنعة و الإنشاد و شكل الرقصات فإنها تحيلنا على الكم الهائل من الثرات الأمازيغي - اليهودي المتنوع الموغل في القدم و الدليل على ذالك هو شيوع هذه العادة داخل المجتمع المغربي .و من التسمية التي يطلقها المغاربة على هذا اليوم وكيفية الاحتفال بهذا اليوم تحيل على أنه عيد ديني إسلامي، فإن الطقوس الاحتفالية تعود إلى الديانة اليهودية التي عرفها المغرب قرونا طويلة قبل مجيء الإسلام. و كذلك البصمة التي تركها الشيعة بالمغرب قديما.


عاشوراء و الاطفال


وأجمل ما في عاشوراء المغربية طقوس الأطفال في احتفالهم باللعب. و يمثل تاريخ احتفال الأطفال بهذه باللعب العيشورية تاريخا لتطور هذه الألعاب في حد ذاتها حسب ما تتيحة الإمكانيات الذاتية في كل جهة مغربية وفي كل قرية أو مدينة.

فتتم فتح الكتاتيب القرآنية صباح يوم عاشوراء إلى وقت الضحى لتحصل البركة طوال العام ثم تعطيلها بعد ذلك بقية اليوم  وقد تمتد العطلة أياما ثلاثة أو عشرة، ويُطلق على هذه العطلة لفظ "العواشر". حث الأطفال على الصيام وشراء "الهدايا" لهم، منها ما يكون للذكور كالطبول وللإناث الدمى والطعارج (آلات إيقاعية تشبه الطبل، لكنها أصغر حجما).  اقتناء ملابس جديدة أو خياطتها تيمنا بهذا اليوم وفق ما هو شائع من أن الذي يخيط في عاشوراء يخيط طوال السنة.

فقد كانت أجيال الأطفال الماضية تصنع لعبها بيدها وكانت مواسم عاشوراء فرصة للتجريب والاختراع في فن صناعة اللعب فالفتيات يتبارين في صنع الدمى من القصب وبقايا الأقمشة والخيوط أما الفتيان فكانوا يتبارون في صنع العجلات والعربات من نفايات الأسلاك وخرذوات البلاستيك والقصدير. ولعل ما يميز عاشوراء المغربية أنها تحولت إلى احتفال طفولي بامتياز بعيدا عن ا المذهبية والطائفية في كثير من جهات العالم الإسلامي في هذا اليوم ففي هذا اليوم تعبر الطفولة المغربية عن حسها الإبداعي في شكل أداء جماعي في الساحات الفسيحة وعند نواصي الشوارع. رغم ما يقد يشوب تلك الألعاب أحيانا من عنف وخاصة عند ليلة عاشوراء التي تسمى لدى الأطفال ب ( الشعالة) التي توقد فيها النيران المتوهجة العظيمة.


 أما اليوم فقد بدأ النمط العصري يلقي بثقله على تلك الطقوس العيشورية القديمة و بدأت يغيب ذلك الحس الإبداعي عند الأطفال الجدد في إعداد لعبهم، بعدما صارت تأتي إليهم جاهزة تبهر الأنظار بألوانها وأحجامها وتقنياتها العالية ولكن عليها علامة تجارية مسجلة صينية أو تايوانية.

صواريخ ومفرقعات عاشوراء


تنتشر في الأيام التي تسبق العاشر من شهر محرم الحرام، وحتى أثناءه وبعده، ظاهرة لعب الأطفال بـ''متفجرات'' يدوية صغيرة تحمل أسماء مختلفة: ''المين'' و''الصواريخ'' و''البوطات''، يتداولونها فيما بينهم، يشاركون بها في ''معارك'' صغيرة خيالية تؤذيهم أكثر مما تمتعهم، بل قد ينقلب اللعب إلى مآس وحوادث مؤسفة، لكن بحمد الله تعالى، بدأ هذا''اللعب الخطير''يخف بشكل ملحوظ في السنتين الأخيرتين.

يقول أحد الباعة الموسميين عن هذا النوع من التجارة: ''إنها مواد خطيرة حقا على سلامة الأطفال، ولقد تم منع بيعها في كثير من نقط البيع بسبب الأضرار التي تحدثها، ومع ذلك ما يزال بعض منعدمي الضمير يأتون بها عبر السوق السوداء، ويبيعونها خفية حتى لا يتعرضوا للمساءلة."

 النساء أكثر حرية

صورة لعاشوراء من عشرينيات القرن الماضي

تقوم النساء والفتيات قبل هذا اليوم بتخضيب شعر رأسهن بالحناء وكذا أيديهن وأرجلهن بها مع وضع شيء منها في أكف الأطفال وحتى بعض الرجال ومن مُرددات النساء، اكتحال النساء واستياكهن في الغالب، وقد جمّلن شعرهن بالحناء وأطلقنه :
 "عاشوري عاشوري.. عليك نطلق شعوري".
وإن كان بعضهن يمتنعن عن ذلك أيام عاشوراء بدءا من فاتح محرم و يتهيأن بأن يقمن بذلك قبل حلول الشهر، وهو امتناع يرتبط بمظهر الحزن. و يلاحظ في مناسبة عاشوراء بالمغرب أن النساء يتمتعن بحرية في هذه المناسبة إذ لا يلبث الرجال أن يستعيدوا نفوذهم مع إطلالة عيد المولد النبوي الشريف على نحو ما تعني هذه المقولة التي تتغنى بها النساء في عاشوراء:
 هذا عاشور ما علينا الحكام أللا
 عيد الميلود يتحكموا الرجال أللا
نار ليلة عاشوراء

 
يتم في ليلة عاشوراء إيقاد النار في الشواع والميادين العامة، ويطلق عليها "شعالة" أو"شعايلة" أو "تشعالت" في اللهجة الأمازيغية. وبعد إيقاد النار يبدأ القفز عليها باعتبار أن ذلك يزيل الشر ويبعده بل إن البعض يشعلون النار في أفنية منازلهم ويأخذون في الدوران حولها وهم يطبلون ويزمرون ويغنون.

و عن قفز النار فالمشاع أن كل من تمكن من قفزها يترك فيها ذنوبه كما يعتقد أنها تخلصهم من تعاستهم و سوء الحظ كما أن هناك اعتقاد سائد أن كل من يحترق بنار عاشوراء لن يشفى من علته الا في نفس الفترة من العام القادم إذا ما استثنينا تقاليد " امعشارن الامازيغية ".

أما في البوادي كما في المدن تجد ألسنة النار الملتهبة مشتعلة والدخان يتعالى،حرائق هنا وهناك لعجلات السيارات وكل المواد القابلة للاحتراق والصبية يتضاغنون ويرددون أغاني منها المفهوم ومنها غير ذلك،وكانت في ما مضى تلقى فيها التعاويذ والبخور من طرف النساء دفعا للعين والسحر وكل أنواع الشرور في هذا اليوم.

 تجدر الإشارة إلى ما كان يقع في بعض المدن كمراكش حيث تلقى في النار بعض الدمى والصور و منها ما يمثل قاتل الحسين وكذا إلى ما يحدث في مناطق أخرى لا سيما في الأطلس الصغير، إذ تتحلق النساء حول النار ويأخذن في البكاء والندب والنواح و قبل أن تخمد النار يدفئن الماء عليها ليتوضأن به أو يغتسلن تبركا به وعلاجا.

و عن شعائر النار هناك اختلاف في المرجعيات البعض يقول أنها طقس ديني قديم يعود إلى العصر الأول البدائي أي حين كان الأمازيغ يعبدون النار و يمجدونها مستمدين أدلتهم من الأشعار و الشعارات التي يرددونها و الطقوس الخاصة بإشعاله.  

فالنار إذن طقس مغربي  إندس الى هذه الاحتفالية من جغرافية الطقوس الوثنية التي كانت سائدة بالمغرب قبل مجئ الاسلام حين كان المغاربة يقدسون قوى الطبيعة من شمس و أقمار و ماء و نار و هو الاضافة التي تجعل عاشوراء يوم احتفال بالمغرب بينما تكون يوم حزن بالمشرق العربي.
 
 ماء عشوراء أو " زمزم "

صورة : الكرابة يسقون المارة بالماء

كان شائعا أن يلجأ حمالو الماء المعروفون بـ"الكرابة" إلى ملء قربهم و إفراغها في الأرض مقابل ما يعطيه المارة والمتجولون. سألنا عن السر في هذه العادة المعروفة بـ"زمزم" فكان الرد:

"إن النساء في سنوات غابرة كن يقمن باكرا فيغتسلن بالماء البارد حتى يكون العام مليئا بالخير وبالحيوية والنشاط، و في حالة عدم استيقاظ الفتيات باكرا كانت تلجأ الأمهات إلى رشهن بالماء حتى يضطررن للاستيقاظ، لكن سرعان ما تجاوزت هذه العادة البيوت المغربية لتخرج إلى أزقتها وشوارعها حيث يصب الماء على المارة".

رش الجيران و المارة بالماء 

ويقال أيضا أنعادة رش المياه، التي يحتفل بها أغلب المغاربة، ويعتقدون أنها جزء من العادات الإسلامية، إلى طقوس من الديانة اليهودية، كان يتمسك بها اليهود المغاربة منذ قرون، حيث أنهم يعتقدون أن الماء كان سببا لنجاة نبيهم موسى عليه السلام في هذا اليوم من بطش فرعون وجنوده، كما يؤكد ذلك القصص القرآني، وهو الأمر الذي استوعبه الإسلام وجعله جزء منه، بالتنصيص على صوم يوم عاشوراء، ابتهاجا بإنقاذ الله لنبيه موسى، مع زيادة صوم يوم التاسع من شهر محرم، لمخالفة اليهود والتميز عنهم.

في صباح اليوم العاشر من شهر محرم (عاشوراء) بعد الاستيقاظ يبدأ التسلح، فالصغار والمراهقين يبحثون عن الأواني يختطفوهم من المطبخ خفية من أبائهم وأمهاتهم وفي بعض الأحيان بموافقة منهم فيملئوها بالماء و يصبونها على أفراد الأسرة في البداية، ثم ينتقلون إلى الجيران و بعدهم المارة في الشوارع،وتبدأ المطاردات بين الذكور والإناث في كل الشوارع والأزقة ويتبعها التقاذف بالبيض و تشعر وكأنك أمام رسوم كاريكاتير في حرب المياه التي تستمر لساعات. ومن يرفض الاحتفال بماء "زمزم" من المارة، عبر رش القليل منه على ثيابه، قد يتعرض لتناوب عدد من المتطوعين لإغراق ثيابه بكل ما لديهم من مياه.

 فاكهة و طعام عاشوراء


 يكسر المغاربة صيامهم بالوليمة تقدم لهم الفواكه الجافة (الفاكية) والتي تم شرائها لهذا اليوم مخصوص.  وتنصب يوم عاشوراء خيام في وسط الأسواق المركزية وعلى قارعة الطرق في كل المدن المغربية تعرض فيها الأنواع المختلفة والمتعددة من الفواكه الجافة.

ومن هذه الفاكية ،التمر واللوز و (الشريحة) أو التين و(كالوكاو) الفستق والزبيب والحمص و(الكركاع) أي الجوز، وذلك بأثمان مختلفة بحسب جودة السلع المعروضة. وتقترن خيام الفاكية بمناسبة عاشوراء فهي تجارة موسمية لا يتعدى عمرها العشرين يوما وتقدم للضيوف مع كؤوس الشاي بالنعناع.

 وعن الطعام، تقام الولائم وتجتمع الأسر حولها والطبق الرئيسي في عاشوراء هو الكسكس وقد يكون معها شيء من القديد مع أمعاء الكبش المجفف التي يصنع منها ما يعرف "بالكرداس" و البعض يفضل أن يكون اللحم المستخدم من لحم ذيل الخروف أو البقرة أو من لحم الكتف وبسبع أنواع من الخضار. 

و أصبح المغاربة يحرصون على صيام ذلك اليوم الذي نجا فيه موسي بإذن ربه من بطش فرعون، فأصبحت الوليمة تقدم مع آذان المغرب بعد أن كانت تقدم وقت الغداء.

بابا عاشور او بابا نويل المغربي

حق بابا عيشور هو نشاط للأطفال في فترة عيد عاشوراء حيث يجول الأطفال من منزل لآخر مرتدين الاقنعة والازياء التنكرية يطلبون الحلوى و الفواكه الجافة او حتى النقود وذلك بإلقاء السؤال "حق بابا عيشور؟" على من يفتح الباب. يعتبر حق بابا عيشور من أهم التقاليد في عاشوراء. حيث يقوم كل من يسكن في حي فيه الكثير من الأولاد بشراء الحلوى و الفواكه الجافة وتحضيرها لحين قدوم الأولاد في العيد. اصبح هذا التقليد مشهورا في الا ونة الاخيرة حيث يعتبر كبديلا للالعاب النارية التي تؤدي عادة الى مجموعة من الحوادث.

عاشوراء.. عيد السحر


عاشوراء هي واحدة من أبرز وأهم المناسبات في يومية المتعاطين للسحر بالمغرب. إذ لها في اعتقادهم «منزلة» توافق أعمال السحر (المنزلة تنطق بتسكين الميم، وتعني أنها تحقق شرط الزمان المناسب لنجاح العمل السحري)، وبالأخص منها تلك التي تستهدف جلب المودة والوئام بين الأزواج أو العاشقين.

ولعل من أشهر الوجبات المطبخية التي تحضرها الزوجات الراغبات في كسب ود أو طاعة أزواجهن أو بهدف إخضاعهم، هي طبق الكسكس بذيالة الحولي، حيث تأخذ المرأة ذيل الخروف الذي احتفظت به من كبش خروف العيد مجففا بالملح، وبعد أن تعمل على ترطيبه بنقعه في الماء الساخن، تحشو فقرات الذيل بمستحضرات سحرية ثم تضع الذيل بعد ذلك في الكسكس مع إحكام إغلاقه بـ"القفال"، وهو عبارة عن قطعة ثوب تستعمل لربط جزئي آنية طبخ الكسكس (الكسكاس).

وتؤكد بعض ربات البيوت، المتخصصات في إعداد هذا النوع من السحر،  أن الوجبة تجعل الرجل الذي يتناولها "طيّعا كالحرير في يد زوجته"، بمعنى أن الأثر السحري المترتب عن العملية يجعل الزوج مطاوعا لزوجته ومستجيبا لرغباتها، ويدوم مفعولها عاما كاملا، أي إلى عاشوراء الموالية.

طقوس المغاربة في عاشوراء2011 


التراشق بالماء والبيض في يوم عاشوراء 2011 



 بحث وتركيب : و.  ابراهيم ( موجاكو )
الخميسات سيتي

الجزء 2 : يوم الاربعاء مساءا

- تاريخ و شواهد عاشوراء بالمغرب.
- دلالات عاشوراء بين المشرق و المغرب.
- المفارقات الدينية و الثقافية.
- رأي العلماء في هذه الاحتفالات.

Facebook Twitter YOUTUBE Stumbleupon Favorites

 
رياضة | صوت و صورة | مغربنا | هنا الخميسات | تابعنا على الفايسبوك | تطوير : الخميسات سيتي
الصفحة الرئيسية | الفهرس | عن الموقع | للإشهار | تنويـه
Khemisset City | Khemisset actualités | Ville de khemisset | مدينة الخميسات | أخبار الخميسات | إقليم الخميسات